{كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا} أي: أطعموا من الجنة {مِن ثَمَرَةٍ} ليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة
وإنما المراد نوع من أنواع الثمار ومن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأن الرزق قد ابتدئ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة {رِّزْقاً} مفعول رزقوا وهو ما ينتفع به الحيوان طعاماً.
{قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} أي: هذا مثل الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا ولكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته
وإنما جعل ثمر الجنة كثمر الدنيا لتميل النفس إليه حين تراه فإن الطباع مائلة إلى المألوف متنفرة عن غير المعروف وليتبين لها مزية إذ لو كان جنساً غير معهود لظن أنه لا يكون إلا كذلك، وإن كان فائقاً فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها في الحجم وأن الكبرى لا تفضل عن حد البطيخة الصغيرة ثم يبصرون رمانة الجنة وهي تشبع السكن أي: أهل الدار كان ذلك أبين للفضل وأجلب للسرور وأزيد في التعجب من أن يفاجؤوا ذلك الرمان من غير عهد سابق بجنسه وعموم كما يدل على ترديدهم هذه المقالة كل مرة رزقوا فيما عدا المرة الأولى يظهرون بذلك التبجح وفرط الاستغراب لما بينهما من التفاوت العظيم من حيث اللذة مع اتحادهما في الشكل واللون كأنهم قالوا هذا عين ما رزقناه في الدنيا فمن أين له هذه الرتبة من اللذة والطيب.
ولا يقدح فيه ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الاسم فإن ذلك لبيان كمال التفاوت بينهما من حيث اللذة والحسن والهيئة لا لبيان أن لا تشابه بينهما أصلاً كيف وإطلاق الأسماء منوط بالاتحاد النوعي قطعاً.