{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) }
{وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها مما يصلح في جميع أحوالها ثم إن الله تعالى ذكر قبولها منها وذلك لضعفها وصدق نيتها في الابتداء وحيائها في الانتهاء وكان في ذلك الزمان أربعة آلاف محرر لم يشتهر خبر أحد منهم اشتهار خبرها.
وفيه تنبيه للعبد على أن يرى من نفسه التقصير بعد جهدها ليقبل الله عملها لإظهار إفلاسها وإضمار إخلاصها.
واعلم أنه سبحانه قطع السائرين له وهم المريدون والواصلين إليه وهم المرادون عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم. أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها فانقطعوا إليه برؤية تقصيرهم.
وأما الواصلون فلأنه غيبهم شهوده عنها لأنه الفعال وهم آلة مسخرة.
ولما دخل الواسطي نيسابور سأل أصحاب الشيخ أبي عثمان المغربي بم يأمركم شيخكم؟ قالوا: كان يأمرنا بالتزام الطاعة ورؤية التقصير فيها فقال: أمركم بالمجوسية المحضة هلا أمركم بالغيبة عنها بشهود منشئها ومجريها.
قال القشيري:
وإنما أراد الواسطي صيانتهم عن محل الإعجاب لا تعريجاً في أوطان التقصير أو تجويزاً للإخلال بأدب من الآداب.
قال النهرجوري من علامة من تولاه الله في أعماله أن يشهد التقصير في إخلاصه والغفلة في أذكاره والنقصان في صدقه والفتور في مجاهدته وقلة المراعاة في فقره فتكون جميع أحواله عنده غير مرضية ويزداد فقراً إلى الله في فقره وسيره حتى يفنى عن كل ما دونه.
قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه في إشارة قوله تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} (الحج: 61) يولج المعصية في الطاعة ويولج الطاعة في المعصية يطيع العبد الطاعة فيعجب بها ويعتمد عليها ويستصغر من لم يفعلها ويطلب من الله العوض عليها فهذه حسنة أحاطت بها سيئات ويذنب الذنب فيلجأ إلى الله فيه ويستصغر نفسه ويستعظم من لم يفعله فهذه سيئة أحاطت بها حسنات فأيتهما الطاعة وأيتهما المعصية فعلى السالك أن يجتهد في الطاعات ولا يغتر بالعبادات لعله يصل إلى غاية الغايات في روضات الجنات.
فالسعي في الأعمال إنما هو لطلب رضى الله ووصول جنابه وهو الذي يبذل في طريقه المال والروح لينفتح باب الفتوح.