فهرس الكتاب
[فصل]
قال في حياة الحيوان:
إن الله تعالى لم يجعل الدنيا مقصودة لنفسها بل جعلها طريقة موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه، وإنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء وإنما جعلها دار رحلة وبلاء، وإنه ملكها في الغالب الجهلة والكفرة وحماها الأنبياء والأولياء والأبدال، وحسبك بها هواناً أنه سبحانه صغرها وحقرها وأبغضها وأبغض أهلها ومحبها، ولم يرض لعاقل فيها إلا بالتزود للارتحال عنها
وفي الحديث:"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله ومن والاه وعالماً أو متعلماً"
ولا يفهم من هذا إباحة لعن الدنيا وسبها مطلقاً، كما روي أبو موسى الأشعري إن النبي قال: لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر إن العبد إذا قال: لعن الله الدنيا قالت: الدنيا لعن الله من عصى ربه وهذا يقتضي المنع من سب الدنيا ولعنها، ووجه الجمع بينهما أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعداً عن الله تعالى وشاغلاً عنه، كما قال: السلف كل ما شغلك عن الله سبحانه من مال وولد فهو مشؤوم عليك.
وأما ما كان من الدنيا يقرب من الله ويعين على عبادته فهو المحمود بكل لسان المحبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يسب بل يرغب ويحب، وإليه الإشارة حيث قال:"إلا ذكر الله ومن والاه وعالماً أو متعلماً"وهو المصرح به في قوله: نعمت مطية المؤمن الخ وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين.
واعلم أن حقيقة اللعن هو الطرد عن الحضرة الإلهية إلى طلب شهوات الدنيا وتعب وجدانها وتعب فقدانها، فهو اللعنة الدنيوية.
وأما اللعنة يوم القيامة، فبالبعد والخسران والحرمان وعذاب النيران.