{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) }
فإن قلت: المستثنى المنقطع وإن لم يكن داخلاً في المستثنى منه لكن لا بد أن يتوهم دخوله في حكم المستثنى منه ومن المعلوم أن لا يتوهم دخول الأطفال في الحكم السابق وهو كون مأواهم جهنم فكيف ذكر في عداد المستثنى؟
قلت للمبالغة في التحذير من ترك الهجرة، وإيهام أنها لو استطاعها غير المكلفين لوجبت عليهم، والإشعار بأنه لا محيص لهم عنها ألبتة تجب عليهم إذا بلغوا حتى كأنها واجبة عليهم قبل البلوغ لو استطاعوا، وأن قوامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت.
{فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} ذكر بكلمة الإطماع ولفظ العفو إيذاناً بأن ترك الهجرة أمر خطير حتى أن المضطر من حقه أن لا يأمن ويترصد الفرصة ويعلق بها قلبه.
{وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} معنى كونه عفواً صفحه وإعراضه عن العقوبة ومعنى كونه غفوراً ستر القبائح والذنوب في الدنيا والآخرة فهو كامل العفو تام الغفران.
[فائدة]
وفي الآية الكريمة إرشاد إلى وجوب المهاجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة أمور دينه بأي سبب كان.
قال الحدادي في قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} دليل أنه لا عذر لأحد في المقام على المعصية في بلده لأجل المال والولد والأهل بل ينبغي أن يفارق وطنه إن لم يمكنه إظهار الحق فيه ولهذا روي عن سعد بن جبير أنه قال: إذا عمل بالمعاصي بأرض فاخرج منها.