فهرس الكتاب

الصفحة 1558 من 3176

{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(108)}

فإن قلت: إنهم كانوا مقرّين بالله وعظمته وأن الأصنام إنما تعبد ليكونوا شفعاء عند الله فكيف يسبونه؟

قلت: إنهم لا يفعلون ذلك صريحاً لكن ربما يفضي فعلهم إلى ذلك، وأيضاً إن الغيظ والغضب إنما يحمل الإنسان على التكلم بما ينافي العقل، ألا يرى أن المسلم قد يتكلم لشدة غضبه بما يؤدي إلى الكفر والعياذ بالله.

وفي الآية: دليل على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها، فإن ما يؤدي إلى الشرّ شرّ ألا يرى أن سبّ الأصنام وطعنها من أصول الطاعات، وقد نهى الله تعالى عنه لكونه مؤدياً إلى معصية عظيمة وهي شتم الله وشتم رسوله وفتح باب السفاهة.

قال الحدادي: وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أراد أن يأمر غيره بالمعروف ويعلم أن المأمور يقع بذلك في أشد مما هو فيه من شتم أو ضرب أو قتل كان الأولى أن لا يأمره ويتركه على ما هو فيه.

{كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}

وفيه نكتة وهي إن كل ما يظهر في هذه النشأة من الأعيان والأعراض فإنما يظهر بصورة مستعارة مخالفة لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة، فإن المعاصي سموم قاتلة قد برزت في الدنيا بصورة يستحسنها نفوس العصاة كما نطقت به هذه الآية الكريمة، وكذا الطاعات فإنها مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصورة مكروهة ولذلك قال عليه السلام: «حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات»

فأعمال الكفرة قد برزت لهم في هذه النشأة بصورة مزينة يستحسنها الطغاة، وستظهر في النشأة الآخرة بصورتها الحقيقية المنكرة الهائلة، فعند ذلك يعرفون أن أعمالهم ماذا، فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقية بالإخبار بها لما أن كلاً منهما سبب للعلم بحقيقتهما، كما هي كذا في «تفسير الإرشاد» .

ويظهر صور الأعمال القبيحة لأهل السلوك في البرزخ الدنيوي فيجتهدون في تبديلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت