فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 3176

[فائدة]

واعلم أن قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أول آية نزلت في التوحيد بحسب الرتبة أي: أقدم توحيد من جهة الحق لا من جهتنا فإن أول رتبة التوحيد من طرفنا توحيد الأفعال وهذا هو توحيد الذات ولما بعد هذا التوحيد عن مبالغ أفهام الناس نزل إلى مقام توحيد الصفات بقوله الرحمن الرحيم ثم إلى توحيد الأفعال ليستدل به عليه فقال: إن في خلق الآية كذا في «التأويلات القاشانية» .

ومن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله إن في خلق إلخ يعني أن الحكمة في خلق هذه الأشياء أن يكون كل شيء مظهر آية من آيات الله ولا فائدة لهذه الأشياء من الآيات المودعة فيها فإن فائدتها عائدة إلى الإنسان لأنهم قوم يعقلون الآيات كما قال: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53) فالعالم بما فيه خلق بتبعية الإنسان لأن العالم مظهر آيات الحق والآيات المرئيات الإنسان والإنسان مظهر معرفة الحق ولهذا قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56) أي: ليعرفون فلو لم يكن لأجل معرفة الله ما خلق الإنسان ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه كما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «لولاك لما خلقت الكون» وكان العالم مرآة يظهر فيه آيات كمال الحق وجلاله والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم وما يظهر فيه كما قال تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 21) وهذا تحقيق قوله: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» لأن نفسه مرآة جمال ربه وليس أحد غير الإنسان يشاهد حال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإراءة الحق كما قال: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا} (فصلت: 53) إلخ فاعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين ومما يدل على أن خلق السماوات والأرض وما بينهما تبع لخلق الإنسان قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» يعني إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة فلم تبق السماوات والأرض لأن وجودهما كان تبعاً لوجود الإنسان فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع كذا في «التأويلات النجمية» .

فعلى السالك أن يصل بالذكر الحقيقي إلى المقصود الأصلي فإن التوحيد ينفي الباطل وينفي الأغيار.

روى عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأبي حصين «كم تعبد اليوم من إله» فقال: أعبد سبعاً ستاً في الأرض وواحداً في السماء قال: «وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك» فقال الذي في السماء فقال عليه الصلاة والسلام: «فيكفيك إله السماء» ثم قال: يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك فأسلم حصين ثم قال: يا رسول الله علمني هاتين الكلمتين فقال عليه الصلاة والسلام: «قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت