اعلم: أن المهاجرين الأولين من حيث إنهم أسسوا قاعدة الإيمان واتباع الرسول صلى الله عليه وسلّم أفضل من الأنصار يدل عليه قوله عليه السلام: «لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصَارِ»
فإن المراد منه إكرام الأنصار بأن لا رتبة بعد الهجرة أعلى من نصرة الدين. دوالمهاجرون على طبقات. منهم من هاجر معه عليه السلام أو بعد هجرته قبل صلح الحديبية وهو في سنة ثنتين من الهجرة وهم المهاجرون الأولون.
ومنهم من هاجر بعد صلح الحديبية قبل فتح مكة وهم أهل الهجرة الثانية. ومنهم ذو هجرتين هجرة إلى الحبشة وهجرة إلى المدينة وكانت الهجرة إلى المدينة بعد أن هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فرضاً على المؤمن المستطيع ليكون في سعة أمر دينه ولينصر رسول الله صلى الله عليه وسلّم في إعلاء كلمة الله فلما فتح مكة أعلمهم بأن الهجرة المفروضة قد انقطعت وإنه ليس لأحد بعد ذلك أن ينال فضيلة الهجرة وأن ينازع المهاجرين في مراتبهم.
وأما الهجرة التي تكون من المسلم لصلاح دينه إلى مكة أو إلى غيرها فإنها باقية أبد الدهر غير منقطعة
وفي الحديث: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» .
[لطيفة]
وفي قوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ} إشارة إلى أن كل سالك صادق سلك طريق الحق من المتأخرين على قدم الإيمان والهجرة والجهاد الحقيقي فهو من المتقدمين؛ لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء، فالواصلون كلهم كنفس واحدة وهم متبرئون من الزمان والمكان استوى عندهم الأمس واليوم والغد والقرب والبعد والعلو والسفل ولهذا قال عليه السلام: «أمتي كالمطر لا يدري أولهم خير أم آخرهم» وعد المتأخرين من إخوانه وقال: «واشوقاه إلى لقاء إخواني» هذا.
وكان الحسن: إذا قرأ سورة الأنفال قال طوبى لجيش قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومبارزهم أسد الله وجهادهم طاعة الله ومددهم ملائكة الله وثوابهم رضوان الله.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لصالحات الأعمال وحسنات الأقوال والأحوال وأن يجعلنا مشغولين بطاعة الله في كل آن وحال.