فهرس الكتاب
قيل لمحمد بن فضل حاجة العارفين إلى ماذا؟ قال: حاجتهم إلى الخصلة التي كملت بها المحاسن كلها ألا وهي الاستقامة فكل من كان أتم معرفة كان أتم استقامة.
قال ابن عطاء: فاستقم، أي افتقر إلى الله مع تبريك من الحول والقوة.
وقال أبو علي الجرجاني: كن طالب الاستقامة لا طالب الكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة ويطلب منك الاستقامة، فالكرامة الكبرى الاستقامة في خدمة الخالق لا بإظهار الخوارق.
قال حضرة الشيخ الشهير بالهدائي قدس سره في «نفائس المجالس» :
لا تتيسر الاستقامة إلا بإيفاء حق كل مرتبة من الشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة، فمن رعاية حق الشريعة العدالة في الأحكام، فالاستقامة في مرتبة الطبيعة برعاية الشريعة، وفي مرتبة النفس برعاية الطريقة، وفي مرتبة الروح برعاية المعرفة، وفي مرتبة السر برعاية المعرفة والحقيقة، فمراعاة تلك الأمور في غاية الصعوبة ولذلك قال عليه السلام: «شيبتني سورة هود» فالكمال الإنساني بتكميل تلك المراتب، لا بإظهار الخوارق، كما حكي أنه قيل للشيخ أبي سعيد: إن فلاناً يمشي على الماء، قال إن السمك والضفدع كذلك، وقيل إن فلاناً يطير في الهواء فقال إن الطيور كذلك، وقيل إن فلاناً يصل إلى الشرق والغرب في آن واحد، قال أن إبليس كذلك فقيل فما الكمال عندك؟ قال أن تكون في الظاهر مع الخلق وفي الباطن مع الحق.
واعلم أن النفوس جبلت على الاعوجاج عن طريق الاستقامة إلا ما اختص منها بالعناية الأزلية والجذبة الإلهية.