{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}
واللام لام العلة عقلاً ولام الحكمة والمصلحة شرعاً، بمعنى أن الله تعالى فعل فعلاً لو كان يفعله من يراعي المصالح لم يفعله إلا لتلك المصلحة أي: خلق السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات التي من جملتها أنتم ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من مبادي وجودكم وأسباب معايشكم، وأودع في تضاعيفهما من أعجايب الصنائع والعبر ما تستدلون به على مطالبكم الدينية ليعاملكم معاملة من يبتليكم ويمتحنكم.
قلت: الابتلاء وأن كان يعم الفرق المكلفين إلا أن المراد خصوصه بالمحسنين تنبيهاً على أن المقصود الأقصى من خلق المخلوقات أن يتوسلوا بأحسن الأعمال إلى أجل المثوبات، وتحريضاً لهم على ترك القبائح والمنكرات، والمراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح، ولذلك فسره عليه السلام بقوله: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله فإن لكل من القلب والقالب عملاً مخصوصاً به، فكما أن الأول أشرف من الثاني فكذا الحال في عمله فكيف لا ولا عمل بدون معرفة الله تعالى الواجبة على العباد
وإنما طريقها النظري التفكر في عجائب صنعه، ولا طاعة بدون فهم الأوامر والنواهي.