{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} أثبت فيه الياء لأنه أصل، ولم يثبت في {فاتقون، وأطيعون} لأنه ختم آية ينوي بها الوقف.
والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله وأن كل ما يراه كمالاً من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلّم في طاعته والحرص على مطاوعته.
ودلت الآية على شرف النبي عليه السلام فإنه جعل متابعته متابعة حبيبه، وقارن طاعته بطاعته، فمن ادعى محبة الله وخالف سنة نبيه فهو كذاب بنص كتاب الله تعالى كما قيل:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
وإنما كان من ادعى محبة الله وخالف سنة رسوله كاذباً في دعواه لأن من أحب آخر يحب خواصه والمتصلين به من عبيده وغلمانه وبيته وبنيانه ومحله ومكانه وجداره وكلبه وحماره وغير ذلك، فهذا هو قانون العشق وقاعدة المحبة وإلى هذا المعنى أشار المجنون العامري حيث قال:
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
قال الإمام القشيري رحمه الله:
قطع الله أطماع الكل أن يسلم لأحدهم نفسه إلا ومقتداهم سيد الأولين والآخرين.
وقال القاشاني: محبة النبي عليه السلام إنما تكون بمتابعته وسلوك سبيله قولاً وعملاً وخلقاً وحالاً وسيرة وعقيدة، ولا تتمشى دعوى المحبة إلا بهذا فإنه قطب المحبة ومظهرها وطريقته صلى الله عليه وسلّم المحبة فمن لم يكن له من طريقته نصيب لم يكن له من المحبة نصيب، وإذا تابعه حق المتابعة ناسب باطنه وسره وقلبه ونفسه باطن النبي وسره وقلبه ونفسه وهو مظهر المحبة، فلزم بهذه المناسبة أن يكون لهذا التابع قسط من محبة الله بقدر نصيبه من المتابعة فيلقي الله محبته عليه ويسري من روح النبي نور تلك المحبة أيضاً إلى قلبه أسرع ما يكون إذ لولا محبة الله لم يكن محباً له، ثم نزل عن هذا المقام لأنه أعز من الكبريت الأحمر ودعاهم إلى ما هو أعم من مقام المحبة وهو مقام الإرادة فقال: «قل أطيعوا الله والرسول» أي: إن لم تكونوا محبين ولم تستطيعوا متابعة حبيبي فلا أقل من أن تكونوا مريدين مطيعين لما أمرتم به فإن المريد يلزمه طاعة المراد وامتثال أمره {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي: إن أعرضوا عن ذلك أيضاً فهم كفار محجوبون انتهى.