{يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) }
قلت: الجسم اللطيف يجوز أن يدخل إلى مخاريق الجسم الكثيف كالهواء الداخل في سائر الأجسام، ولا يؤدي ذلك إلى اجتماع الجواهر في حيز واحد؛ لأنها لا تجتمع إلا على طريق المجاورة لا على سبيل الحلول.
وإنما يدخل في أجسامنا كما يدخل الجسم الرقيق في الظروف، والجن ليسوا بنار محرقة، بل هم خلقوا من نار في الأصل، كما خلق آدم من التراب فالنسبة باعتبار الجزء الغالب.
قال في «بحر الحقائق» :
الإشارة إنهم إنما يرونكم من حيث البشرية التي هي منشأ الصفات الحيوانية، وإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة، فإنهم لا يرونكم في هذا المقام وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنظر الرباني انتهى.
ثم قوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ} تعليل للنهي ببيان أنه عدو صعب الاحتراز عن ضرره فإن العدو الذي يراك ولا تراه شديد المؤونة لا يتخلص منه إلا من عصمه الله فلا بد أن يكون العاقل على حذر عظيم من ضرره.
فإن قيل: كيف نحاربهم ونحترز عنهم ونحن لا نراهم؟
قلنا: لم نؤمر بمحاربة أعيانهم
وإنما أمرنا بدفع وسوستهم، وعدم قبول ما ألقاه في قلوبنا بالاستعاذة منه إلى الله تعالى.
-رُوِيَ - عن ذي النون المصري أنه قال: إن كان هو يراك من حيث لا تراه، فإن الله يراه من حيث لا يرى الله، فاستعن بالله عليه فإن كيد الشيطان كان ضعيفاً.