فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 3176

فائدة]

قال بعضهم: إن الله تعالى قوى قلوب ضعفاء الناس بذكر ضعفاء الأجناس وعرف الخلق قدرته في خلق الضعفاء على هيئات الأقوياء فإن البعوض على صغره بهيئة الفيل على كبره وفي البعوض زيادة جناحين فلا يستبعد من كرمه أن يعطي على قليل العمل ما يعطي على كثير العمل من الخلق كما أعطى صغير الجثة مع أعطى كبير الجثة من الخلقة.

ومن العجيب أن هذا الصغير يؤذي هذا الكبير فلا يمتنع منه، ومن لطف الله تعالى أنه خلق الأسد بغاية القوة والبعوض والذباب بغاية الضعف ثم أعطى البعوض والذباب جراءة أظهرها في طيرانهما في وجوه الناس وتماديهما في ذلك مع مبالغة الناس في ذبهما بالمذبة، وركب الجبن في الأسد وأظهر ذلك بتباعده عن مساكن الناس وطرقهم ولو تجاسر الأسد تجاسر الذباب والبعوض لهلك الناس، فمنَّ الله تعالى وجعل في الضعيف التجاسر وفي القوي الجبن ومن العجب عجزك عن هذا الضعيف وقدرتك على ذلك الكبير.

-وحكي - أنه خطب المأمون فوقع ذباب على عينه فطرده فعاد مراراً حتى قطع عليه الخطبة فلما صلى أحضر أبا هذيل شيخ البصريين في الاعتزال فقال له: لم خلق الله الذباب قال: ليذل به الجبابرة قال: صدقت وأجازه بمال كذا في «روضة الأخيار»

ففي خلق مثل الذباب حكم ومصالح.

قال وكيع: لولا الريح والذباب لأنتنت الدنيا.

ومن الأعاجيب أن هذا الضعيف إذا طار في وجهك ضاق به قلبك ونغص به عيشك وفسد عليك بستانك وكرمك، وأعجب منه جراءتك مع ضعفك على ما يورثك العار ويوردك النار فإذا كان جزعك هذا من البعوض في الدنيا فكيف حالك إذا تسلطت عليك الحيات والعقارب في لظى.

قال القشيري رحمه الله:

الخلق في التحقيق بالإضافة في قدرة الخالق أقل من ذرة من الهباء في الهواء وسيان في قدرته العرش والبعوضة فلا خلق العرش عليه أعسر ولا خلق البعوضة عليه أيسر سبحانه وتقدس عن لحوق العسر واليسر.

واعلم أنه يمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم وإن كان الممثل أعظم من كل عظيم كما مثل في الإنجيل غل الصدر بالنخالة قال: لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، ومثل مخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير

قال: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم وقال فيه أيضاً: لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها ولا في البرية حيث اللصوص والسموم فيسرقها اللصوص ويحرقها السموم ولكن ادخروا ذخائركم عند الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت