قال ذو النون قدس سره العزيز: أن أدنى منازل المريد أن الله تعالى لو أدخله النار وأحاط به عذابه مع هذه الإرادة لم يزدد قلبه إلا حباً له وأنساً به وشوقاً إليه، وكانت الجنة عنده أصغر في جنب إرادته من خردلة بين السماء والأرض، فعلى السالك أن يذيق نفسه مرارة الطاعة ويدخلها في باب التسليم ليكون عند الله مما له قدر وسبق.
-حُكِيَ - عن علي كرم الله وجهه أنه قال: قلت لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أبي بكر الصديق رضي الله عنه يا خليفة رسول الله بم بلغت هذه المنزلة حتى سبقتنا سبقاً فقال: بخمسة أشياء: أولها وجدت الناس صنفين مريد الدنيا ومريد العقبى فكنت أنا مريد المولى. والثاني مذ دخلت في الإسلام ما شبعت من طعام الدنيا لأن لذة معرفة الله شغلتني عن لذائذ طعام الدنيا. والثالث مذ دخلت في الإسلام ما رويت من شراب الدنيا لأن محبة الله شغلتني عن شراب الدنيا. والرابع كلما استقبلني عملان عمل الدنيا وعمل الآخرة اخترت عمل الآخرة على عمل الدنيا. والخامس صحبت النبي صلى الله عليه وسلّم فأحسنت صحبته [1] .
أقول ولذا لم ينفك عن ملازمة صحبته ساعة حتى دخل معه في الغار وقاسى ما قاسى من الشدائد في حقه - صلى الله تعالى عليه وسلم - ومع ذلك لم يزغ قلبه عن مواصلته قط ولم يهم بمخالفته أصلاً كما وقع ذلك من بعض الصحابة كما في المنهزمين.
فحسن الرضى على ما جاء من عند الله يوصل العبد إلى المقامات العلية والحالات السنية والعمدة هو التوحيد وبه تسهل قوة اليقين والوصول إلى مقام الولاية.
وسئل يحيى بن معاذ عن صفة الولي فقال: الصبر شعاره والشكر دثاره والقرآن معينه والحكمة علمه والتوكل صابونه والفقر منيته والتقوى مطيته والغربة ملازمته والحزن رفيقه والذكر جليسه والله تعالى أنيسه.
[1] القصة مع جمالها تفتقر إلى سند صحيح، والله أعلم.