فهرس الكتاب

الصفحة 876 من 3176

{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) }

{ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أي صغائرنا {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} أي تجاوزنا الحد في ارتكاب الكبائر، أضافوا الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين برآء من التفريط في جنب الله هضماً لها واستقصاراً لهم، وإسناداً لما أصابهم إلى أعمالهم، وقدموا الدعاء بمغفرتها على ما هو الأهم بحسب الحال من الدعاء بقولهم {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} أي في مواطن الحرب بالتقوى والتأييد من عندك أو ثبتنا على دينك الحق

{وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} تقريباً له إلى حيز القبول، فإن الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة.

والمعنى لم يزالوا مواظبين على هذا الدعاء من غير أن يصدر عنهم قول يوهم شائبة الجزع والتزلزل في مواقف الحرب ومراصد الدين.

وفيه من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى.

{فَآتَاهُمُ اللَّهُ} بسبب دعائهم ذلك {ثَوَابَ الدُّنْيَا} أي النصر والغنيمة والعز والذكر الجميل {وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ} أي وثواب آخرة الحسن وهي الجنة والنعيم المخلد وتخصيص وصف الحسن به للإيذان بفضله ومزيته وأنه المعتد به عنده تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ومحبة الله للعبد عبارة عن رضاه عنه وإرادة الخير به فهي مبدأ لكل سعادة.

والإشارة أن الله تعالى لما زاد لخواص عباده كرامة التخلق بأخلاقه ابتلاهم بقتال العدو وثبتهم عند الملاقاة فاستخرج من معادن ذواتهم جواهر صفاته المكنونة فيها المكرمة بها بنوا آدم والصبر والإحسان من صفات الله والله تعالى يحب من تخلق بصفاته ولهذا قال:

{وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران: 146) {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134) .

قال الإمام في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فيه لطيفة دقيقة وهي أن هؤلاء اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين كأنه تعالى يقول لهم: إذا عرفت بإساءتك وعجزك فأنا أصفك بالإحسان وأجعلك حبيباً لنفسي حتى يعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت