فهرس الكتاب

الصفحة 1435 من 3176

[فصل]

قال بعض الأفاضل: الأجل هو الوقت المضروب لطريان الزوال على كل ذي روح ولا يطرأ عليه إلا عند حلول ذلك الوقت لا يتأخر عنه ولا يسبقه كما يدل عليه قوله تعالى {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} (الحجر: 5) .

فإن قلت قوله تعالى: {أَنِ اعبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} (نوح: 3، 4)

صريح في الدلالة على السبق على المسمى؟

قلت: تعدد الأجل إنما هو بالنسبة إلينا.

وأما بالنسبة إليه تعالى فهو واحد قطعاً.

تحقيقه أنه تعالى عالم في الأزل كل الموجودات ومقدر لها حسبما شمله علمه فهو يقول في الأزل مثلاً إن فلاناً إن اتقى وأطاع يبلغ إلى أجله المسمى، والمراد بالأجل ههنا الأجل الثاني الأطول وتوصيفه بالمسمية ليس للتخصيص لأن الأجل المسمى على كل حال، وإن لم يتق ولم يطع لم يبلغ هذه المرتبة لكن يعلم أنه يفعل أحد الفعلين معيناً فيقدر له الأجل المعين فيكون المقدر في علم الله الأجل المعين، وإنّا لعدم اطلاعنا في علم الله تعالى لم نعلم أن ذلك الفلان أي الفعلين فعل وأيما الأجلين قضى له، فإذا فعل أحدهما المعين وحل الأجل المرتب عليه علمنا أن ذلك هو المقدر المسمى، فالتردد بالنسبة إلينا لا في التقدير، وإلا يلزم أن لا يكون علم الله تعالى بما فعل العبد قبل الوقوع، وعلى هذا قول الله للكافر أسلم تدخل الجنة، ولا تكفر تدخل النار مع علمه وتقديره عدم إسلامه في الأزل، والأمر والنهي لإظهار الإطاعة أو المخالفة في الظاهر، كمن يريد إظهار عدم إطاعة عبده له للحاضرين فيأمره بشيء وهو يعلم أنه لا يفعله، والعلم بعدم الإطاعة للحاضرين المترددين إنما يحصل بأمره، وكذا صورة الطاعة وجميع المقدرات الإلهية من أفعال العباد الاختيارية من هذا القبيل، فظهر أن التردد بالنسبة إلينا دون علم الله إلا أن يطلعنا عليه بإخباره الواقع في علمه، كما أطلع نبيه عليه السلام على بعض ما وقع من حال الكفار في زمانه بقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى} (البقرة: 6) وقوله: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ} (البقرة: 7) وقوله: {فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} (يس: 9)

فهذا إخبار بما في علمه من أنهم لا يختارون الإيمان هذا غاية ما يقال في هذا المقام والعلم عند الله الملك العلام.

{ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} استبعاد لامترائهم في البعث بعد ما تبين أنه تعالى خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم فإن من قدر على خلق المواد وجمعها وإبداع الحياة فيها وإبقائها ما يشاء كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانياً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت