فهرس الكتاب

الصفحة 1208 من 3176

{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(158)}

قال الحسن البصري أي إلى السماء التي هي محل كرامة الله تعالى ومقر ملائكته ولا يجري فيها حكم أحد سواه فكان رفعه إلى ذلك الموضع رفعاً إليه تعالى لأنه رفع عن أن يجري عليه حكم العباد ومن هذا القبيل قوله تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ} (النساء: 100) وكانت الهجرة إلى المدينة وقوله: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي} (الصافات: 99) أي: إلى موضع لا يمنعني أحد من عبادة ربي.

والحكمة في الرفع أنه تعالى أراد به صحبة الملائكة ليحصل لهم بركته لأنه كلمة الله وروحه، كما حصل للملائكة بركة صحبة آدم أبي البشر من تعلم الأسماء والعلم وأن مثل عيسى عند الله كمثل آدم كما ذكر في الآية.

وقيل: رفع إلى السماء لما لم يكن دخوله إلى الوجود الدنيوي من باب الشهوة وخروجه لم يكن من باب المنية بل دخل من باب القدرة وخرج من باب العزة.

{وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً} لا يغالب فيما يريده فعزة الله تعالى عبارة عن كمال قدرته فإن رفع عيسى عليه السلام إلى السماوات وإن كان متعذراً بالنسبة إلى قدرة البشر لكنه سهل بالنسبة إلى قدرة الله تعالى لا يغلبه عليه أحد

{حَكِيماً} في جميع أفعاله فيدخل فيها تدبير أنه تعالى في أمر عيسى عليه السلام دخولاً أولياً.

ولما رفع الله عيسى عليه السلام كساه الريش وألبسه النور وقطعه عن شهوات المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش فكان أنسياً ملكياً سماوياً أرضياً [1] .

فإن قيل: لم لم يرد الله تعالى عيسى إلى الدنيا بعد رفعه إلى السماء؟

قيل: أخر رده ليكون علماً للساعة وخاتماً للولاية العامة؛ لأنه ليس بعده ولي يختم الله به الدورة المحمدية تشريفاً لها بختم نبي مرسل يكون على شريعة محمدية يؤمن بها اليهود والنصارى، ويجدد الله تعالى به عهد النبوة على الأمة، ويخدمه المهدي وأصحاب الكهف، ويتزوج ويولد له، ويكون في أمة محمد عليه السلام خاتم أوليائه ووارثيه من جهة الولاية.

وأجمع السيوطي في «تفسير الدر المنثور» في سورة الكهف عن ابن شاهين أربعة من الأنبياء أحياء اثنان في السماء عيسى وإدريس واثنان في الأرض الخضر وإلياس فأما الخضر فإنه في البحر.

وأما صاحبه فإنه في البر [2] .

قال الإمام السخاوي رحمه الله حديث «أخي الخضر لو كان حياً لزارني» من كلام بعض السلف ممن أنكر حياة الخضر.

[1] بعض هذا الكلام يفتقر إلى سند صحيح، والله أعلم.

[2] كيف يدعي الإجماع في أمر مختلف فيه، والراجح عند المحققين أن هذا الأمر مقصور على عيسى - عليه السلام - وحده، وأما غيره فالراجح أنهم قد ماتوا، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت