فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 3176

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)}

بيان المعونة المطلوبة كأنه قيل: كيف أعينك؟ فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم.

وأيضاً أن التعقيب بالدعاء بعد تمام العبادة قاعدة شرعية.

قال في «التيسير» :

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} إظهار التوحيد {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} طلب العون عليه وقوله: {اهْدِنَا} لسؤال الثبات على دينه وهو تحقيق عبادته واستعانته وذلك لأن الثبات على الهداية أهم الحاجات إذ هو الذي سأله الأنبياء والأولياء كما قال يوسف عليه السلام: توفني مسلماً وسحرة فرعون: توفنا مسلمين، والصحابة: وتوفنا مع الأبرار، وذلك لأنه لا ينبغي أن يعتمد على ظاهر الحال فقد يتغير في المآل كما لإبليس وبرصيصا وبلعام بن باعوراء.

وفي «تفسير القاضي»

إذا قاله العارف الواصل إلى الله عنى به: أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا وتميط غواشي أبداننا لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك.

قال المولى الفناري: ومبناه أن السير في الله غير متناه كما قال قطب المحققين ولا نهاية للمعلومات والمقدورات فما دام معلوم أو مقدور فالشوق للعبد لا يسكن ولا يزول.

وأصل الهداية أن يُعدى باللام أو إلى فعومل معاملة اختار في قوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} (الأعراف: 155)

والصراط المستقيم استعارة عن ملة الإسلام والدين الحق تشبيهاً لوسيلة المقصود بوسيلة القصد أو لمحل التوجه الروحاني بمحل التوجه الجسماني.

وإنما سمي الدين صراطاً لأن الله سبحانه وإن كان متعالياً عن الأمكنة لكن العبد الطالب لا بد له من قطع المسافات ومس الآفات وتحمل المجافاة ليكرم الوصول والموافاة.

ثم في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} مع أنه مهتدٍ وجوه:

الأول: أن لا بد بعد معرفة الله تعالى والاهتداء بها من معرفة الخط المتوسط بين الإفراط والتفريط في الأعمال الشهوية والغضبية وإنفاق المال والمطلوب أن يهديه إلى الوسط.

والثاني: أنه وإن عرف الله بدليل فهناك أدلة أخرى فمعنى اهدنا: عرفنا ما في كل شيء من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وأفعالك.

والثالث: أن معناه بموجب قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} (الأنعام: 153) طلب الإعراض عما سوى الله وإن كان نفسه والإقبال بالكلية عليه حتى لو أمر بذبح ولده كإبراهيم عليه السلام أو بأن ينقاد للذبح كإسماعيل عليه السلام أو بأن يرمي نفسه في البحر كيونس عليه السلام أو بأن يتلمذ مع بلوغه أعلى درجات الغايات كموسى عليه السلام أو بأن يصير في الأمر بالمعروف على القتل والشق بنصفين كيحيى وزكريا عليهما السلام فعل وهذا مقام هائل إلا أن في قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} دون أن يقول صراط الذين ضربوا وقتلوا تيسيراً ما وترغيباً إلى مقام الأنبياء والأولياء من حيث إنعامهم ثم الاستقامة والاعتدالية ثم الثبات عليها أمر صعب ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلّم «شيبتني هود وأخواتها» حيث ورد فيها {فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} (هود: 112)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت