فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 3176

فإن الإنسان من حيث نشأته وقواه الظاهرة والباطنة مشتمل على صفات وأخلاق طبيعية وروحانية ولكل منها طرفا إفراط وتفريط والواجب معرفة الوسط من كل ذلك والبقاء عليه وبذلك وردت الأوامر ونطقت الآيات كقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً} (الإسراء: 29) الآية. حرضه على الوسط بين البخل والإسراف وكقوله صلى الله عليه وسلّم لمن سأله مستشيراً في الترهب وصيام الدهر وقيام الليل كله بعد زجره إياه: «إن لنفسك عليك حقاً ولزوجك عليك حقاً ولزورك عليك حقاً فصم وأفطر وقم ونم» وهكذا في الأحوال كلها نحو قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} (الإسراء: 110) ، {لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} (الفرقان: 67) ، {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} (النجم: 17) ولما رأى صلى الله عليه وسلّم عمر رضي الله عنه يقرأ رافعاً صوته سأله فقال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال عليه السلام: «اخفض من صوتك قليلاً» وأتى أبا بكر رضي الله عنه فوجده يقرأ خافضاً صوته فسأله فقال: قد أسمعت من ناجيت فقال عليه السلام: «ارفع من صوتك قليلاً» وهكذا الأمر في باقي الأخلاق فإن الشجاعة صفة متوسطة بين الهور والجبن والبلاغة بين الإيجاز المجحف والإطناب المفرط، وشريعتنا قد تكفلت ببيان ميزان الاعتدال في كل ترغيب وترهيب وحال وحكم وصفة وخلق حتى عينت للمذمومة مصارف إذا استعملت فيها كانت محمودة كالمنع والبغض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت