{لَمَثُوبَةٌ} مفعلة من الثواب وثاب يثوب أي: رجع وسمي الجزاء ثواباً لأنه عوض عمل المحس يرجع إليه وهو مبتدأ جواب لو والتنكير للتقليل أي: شيء قليل من الثواب كائن {مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ} خبر المبتدأ وأصله لأثيبوا مثوبة من عند الله خيراً مما شروا به أنفسهم فحذف الفعل وغير السبك إلى ما عليه النظم الكريم دلالة على إثبات المثوبة لهم والجزم بخيريتها وحذف المفضل عليه جلالاً للمفضل من أن ينسب إليه {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أن ثواب الله خير ومجرد العلم باللسان لا ينفع بدون أن يصل التأثير إلى القلب ويظهر ذلك التأثير بالمسارعة إلى الأعمال الصالحة والاتباع للكتاب والسنة فمن أمر السنة على نفسه أخذاً وتركاً حباً وبغضاً نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة.
قال الشيخ أبو الحسن: كل علم يسبق لك فيه الخواطر وتتبعها الصور وتميل إليه النفوس وتلذ به الطبيعة فارم به وإن كان حقاً وخذ بعلم الله الذي أنزله على رسوله واقتدِ به وبالخلفاء والصحابة والتابعين من بعده والأئمة المبرئين من الهوى ومتابعته تسلم من الظنون والشكوك والأوهام والدعاوى الكاذبة المضلة عن الهدى وحقائقه وماذا عليك أن تكون عبداً لله ولا علم ولا عمل بلا اقتداء وحسبك من العلم العلم بالوحدانية ومن العمل محبة الله ومحبة رسوله ومحبة الصحابة واعتقاد الحق للجماعة.
قال بعض العلماء زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول الحنظل كلما ازداد رياً ازداد مرارة ومثل من تعلم العلم لاكتساب الدنيا وتحصيل الرفعة فيها كمثل من رفع العذرة بملعقة من الياقوت فما أشرف الوسيلة وما أخس المتوسل إليه، والذي يحمل العبد على تعليم ما لا يليق به وذكر ما يجب صونه إنما هو إيثار الدنيا على الآخرة لكن الله تعالى يقول: {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (القصص: 60)
فإن أردت أن تعرف قدرك عند الله فانظر في ماذا يقيمك، وذلك لأن الأعمال علامات والأحوال كرامات والكرامات دليل والعلوم وسائل وقد جاء
«من سره أن يعرف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله في قلبه فإن الله ينزل العبد عنده حيث إنزله العبد من نفسه» .