واعلم أن الصفات المقتضية لِلَّعن ثلاث:
الكفر والبدعة والفسق وله في كل واحدة ثلاث مراتب:
الأولى: اللعن بالوصف الأعم كقولك لعنة الله على الكافرين والمبتدعة أو الفسقة.
والثانية: اللعن بأوصاف أخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى أو على القدرية والخوارج والروافض أو على الزناة والظلمة وأكل الربا وكل ذلك جائز.
والثالثة: اللعن على الشخص فإن كان ممن ثبت كفرهم شرعاً يجوز لعنه إن لم يكن فيه أذى على مسلم كقولك لعنة الله على فرعون وأبي جهل؛ لأنه ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعاً وإن كان ممن لم يثبت شرعاً كلعنة زيد أو عمرو أو غيرهما بعينه فهذا فيه خطر لأن حال خاتمته غير معلوم وربما يسلم الكافر أو يتوب فيموت مقرباً عند الله فكيف يحكم بكونه ملعوناً ألا يرى أن وحشياً قتل عم النبي عليه السلام أعني حمزة رضي الله عنه ثم أسلم على يد النبي عليه السلام وبشره الله بالجنة وهذه حجة من لم يلعن يزيد لأنه يحتمل أن يتوب ويرجع عنه فمع هذا الاحتمال لا يلعن.
قال بعضهم: لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعة شره لما أنه كفر حين أمر بقتل الحسين رضي الله عنه، ولما قال في الخمر:
فإن حرمت يوماً على دين أحمد فخذها على دين المسيح ابن مريم
واتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين رضي الله عنه أو أمر به أو أجازه أو رضي به كما قال سعد الملة والدين التفتازاني الحق أن رضى يزيد بقتل الحسين واستبشاره وإهانته أهل بيت النبي عليه السلام مما تواتر معناه وإن كان تفاصيله آحاد فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه انتهى.
وكان الصاحب بن عباد يقول إذا شرب ماء بثلج:
قعقعة الثلج بماء عذب تستخرج الحمد من أقصى القلب ثم يقول اللهم جدد اللعن على يزيد ويكف اللسان عن معاوية تعظيماً لمتبوعه وصاحبه عليه السلام لأنه كاتب الوحي وذو السابقة والفتوحات الكثيرة وعامل الفاروق وذي النورين لكنه أخطأ في اجتهاده فتجاوز الله عنه ببركة صحبة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
قال الخياط المتكلم ما قطعني إلا غلام قال ما تقول في معاوية قلت: أنا أقف فيه قال: فما تقول في ابنه يزيد قلت: ألعنه قال: فما تقول فيمن يحبه قلت ألعنه قال: أفترى أن معاوية كان لا يحب ابنه كذا في «روضة الأخيار» .
ثم اعلم أن اللعنة ترتد على اللاعن إن لم يكن الملعون أهلاً لذلك ولعن المؤمن كقتله في الاسم وربما يلعن شيئاً من ماله فتنزع منه البركة فلا يلعن شيئاً من خلق الله لا للجماد ولا للحيوان ولا للإنسان قال عليه السلام: «إذا قال العبد لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لربه»
فالأولى أن يترك ويشتغل بدله بالذكر والتسبيح إذ فيه ثواب ولا ثواب في اللعن وإن كان يستحق اللعن قال عليه السلام: «أريت النار وأكثر أهلها النساء فإنهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير فلو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم إذا رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط» قال على كرم الله وجهه: من أفتى الناس بغير علم لعنته السماء والأرض وسألت بنت على البلخي أباها عن القيء إذا خرج إلى الحلق فقال: يجب إعادة الوضوء فرأى رسول الله عليه السلام يقول: لا يا علي حتى يكون ملء الفم فقال: علمت أن الفتوى تعرض على رسول الله فآليت على نفسي أن لا أفتي أبداً كذا في «الروضة» .