إسناد (قيل) إلى (لا تفسدوا) إسناد له إلى لفظه كأنه قيل وإذا قيل لهم هذا القول كقولك ألف ضرب من ثلاثة أحرف.
{قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} جواب لـ إذا ورد للناصح على سبيل المبالغة والمعنى أنه لا يصلح مخاطبتنا بذلك فإن شأننا ليس إلا الإصلاح وإن حالنا متمحضة عن شوائب الفساد
وإنما قالوا ذلك لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال الله تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} (فاطر: 8)
فأنكروا كون ذلك فساداً وادعوا كونه إصلاحاً محضاً وهو من قصر الموصوف على الصفة مثل إنما زيد منطلق.
قال ابن التمجيد: إن المسلمين لما قالوا لهم لا تفسدوا توهموا أن المسلمين أرادوا بذلك أنهم يخلطون الإفساد بالإصلاح فأجابوا بأنهم مقصورون على الإصلاح لا يتجاوزون منه إلى صفة الإفساد فيلزم منه عدم الخلط فهو من باب قصر الإفراد حيث توهموا أن المؤمنين اعتقدوا الشركة فأجابهم الله تعالى بعد ذلك بما يدل على القصر القلبي وهو قوله تعالى: {أَلَا} أيها المؤمنون اعلموا {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} فإنهم لما أثبتوا لأنفسهم إحدى الصفتين ونفوا الأخرى واعتقدوا ذلك قلب الله اعتقادهم هذا بأن أثبت لهم ما نفوه ونفى عنهم ما أثبتوا والمعنى هم مقصورون على إفساد أنفسهم بالكفر والناس بالتعويق عن الإيمان لا يتخطون منه إلى صفة الإصلاح من باب قصر الشيء على الحكم فهم لا يعدون صفة الفساد والإفساد ولا يلزم منه أن لا يكون غيرهم مفسدين ثم استدرك بقوله تعالى: {وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ} أنهم مفسدون للإيذان بأن كونهم مفسدين من الأمور المحسوسة لكن لا حس لهم حتى يدركوه.