أصل الخون: النقص، كما أن أصل الوفاء التمام واستعماله في ضد الأمانة لتضمنه إياه فإنك إذا خنت الرجل فقد أدخلت عليه النقصان.
ولما نهى عن الخيانة نبه على أن الداعي إليها إنما هو حب المال والأولاد ألا يرى أن أبا لبابة إنما حمله على ما فعل ماله وأهله وولده الذين كانوا في بني قريظة؛ لأنه إنما ناصحهم لأجلهم وخان المسلمين بسببهم، فقال: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}
الفتنة قد تطلق على الآفة والبلاء وقد تطلق على الابتلاء والامتحان، فالمعنى على الأول إنما أموالكم وأولادكم أسباب مؤدية إلى الوقوع في الآفة التي هي ارتكاب المعصية في الدنيا والوقوع في عقاب الآخرة، وعلى الثاني: إنها أسباب لوقوع العبد في محن الله تعالى واختباراته حيث يظهر من اتبع الهوى ممن آثر رضى المولى.
{وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لمن آثر رضي الله وراعى حدوده فيهم فأنيطوا، أي: علقوا هممكم بما يؤديكم إليه ولا يحملنكم حبهما على الخيانة.
قال بعض السلف: كل ما شغلك عن الله سبحانه من مال وولد فهو مشؤوم عليك.
وأما ما كان من الدنيا يقرب من الله ويعين على عبادته فهو المحمود بكل لسان المحبوب لكل إنسان.
قال أبو يزيد قدس سره: جمعت فكري وأحضرت ضميري ومثلت نفسي واقفاً بين يدي ربي فقال لي يا أبا يزيد بأي شيء جئتني قلت يا رب بالزهد في الدنيا.
[لطيفة]
قال: يا أبا يزيد إنما كان مقدار الدنيا عندي مثل جناح بعوضة ففيم زهدت منها؟ فقلت إلهي وسيدي أستغفرك من هذه الحالة جئت بالتوكل عليك قال: يا أبا يزيد ألم أكن ثقة فيما ضمنت لك حتى توكلت عليّ؟ قلت إلهي وسيدي أستغفرك من هاتين الحالتين جئتك بالافتقار إليك، فقال عند ذلك قبلناك.
فهذه حال العارفين بالله تعالى وفوا عهودهم في طلبه فجعلهم الله أمناء لأسراره.