{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) }
{وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} الطعم هنا بمعنى الذوق وهو التناول من الشيء تناولاً قليلاً يقال طعم الشيء إذا ذاقه مأكولاً أو مشروباً {فَإِنَّهُ مِنِّي} أي: من أهل ديني.
[فصل]
قال الراغب: في القصة إيماء ومثال للدنيا وأبنائها وأن من يتناول قدر ما يتبلغ به اكتفى واستغنى وسلم منها ونجا ومن تناول منها فوق ذلك ازداد عطشاً، ولهذا قيل: الدنيا كالملح من ازداد منها عطش
وفي الحديث: «لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب»
يعني لا يزال حريصاً على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره إلا من تاب فإن الله يقبل التوبة من التائب عن حرصه المذموم وعن غيره من المذمات.
وههنا نكتة وهي أن في ذكر ابن آدم دون الأنسال تلويحاً إلى أنه مخلوق من تراب ومن طبيعته القبض واليبس وإزالته ممكنة بأن يمطر الله عليه من غمام توفيقه فللعاقل أن لا يتعب نفسه في جمع حطام الدنيا فإن الرزق مقسوم.