فهرس الكتاب

الصفحة 1755 من 3176

{أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ(99)}

{أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ} مكر الله استعارة لاستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب والمراد به إتيان بأسه تعالى في الوقتين المذكورين.

قال الحدادي: إنما سمي العذاب مكراً على جهة الاتساع والمجاز؛ لأن المكر ينزل بالممكور من جهة الماكر من حيث لا يشعر.

وأما المكر الذي هو الاحتيال للإظهار بخلاف الإضمار فذلك لا يجوز على الله.

{فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ} الفاء فاء جواب شرط محذوف، أي إذا كان استدراجه وأخذه على هذا الوجه فلا يأمن مكره بهذا المعنى: {إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} الذين ليسوا من القوم الرابحين.

قيل: معنى الآية ولا يأمن عذاب الله من العصاة أو لا يأمن عذاب الله من المذنبين، والأنبياء عليهم السلام لا يأمنون عذاب الله على المعصية ولهذا لا يعصون بأنفسهم انتهى.

قال في «التأويلات النجمية» :

مكره تعالى مع أهل القهر بالقهر ومع أهل اللطف باللطف

{فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ} من أهل القهر {إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} الذين خسروا سعادة الدارين، ومن أهل اللطف إلا الخاسرون الذي خسروا الدنيا والعقبى، وربحوا المولى [1] فعلى هذا أهل الله هم الآمنون من مكر الله؛ لأن مكر الله في حقهم مكر باللطف دل عليه قوله: {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} (الأنعام: 82) ولهذا قال: {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال: 30) لأن مكرهم مكر في مستحقيه وغير مستحقيه بالقهر ومكره في مستحقيه باللطف فافهم واعتبر جداً انتهى.

واعلم: أن الأمن من مكر الله تعالى قد عد كفراً لكن هذا بالنسبة إلى أهل المكر دون أهل الكرم فإن كمل الأولياء مبشرون بالسلامة في حياتهم الدنيوية كما قال تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا} (يونس: 64) فلهم سلامة دنيوية وأخروية كما قال تعالى: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لكنهم يكتمون سلامتهم لكونهم مأمورين بالكتمان وعلمهم بسلامتهم يكفي لهم ولا حاجة لهم بعلم غيرهم.

وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلهم أن يخبروا بسلامتهم لكونهم شارعين فلا بد لغيرهم من العلم بسلامتهم حتى يؤمن ويقبل دعوتهم.

[1] إن ربحوا المولى - عز وجل - فقد ربحوا العقبى، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت