فإن قلت ما معنى قوله (أنزل معه) وإنما أنزل مع جبريل؟
قلت: أنزل مع نبوته؛ لأن استنباءه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به انتهى.
فمعه متعلق بأنزل حال من ضميره بتقدير المضاف، أي: أنزل ذلك النور مصاحباً لنبوته.
{أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: الفائزون بالمطلوب الناجون من الكروب لا غيرهم من الأمم فيدخل فيهم قوم موسى دخولاً أولياً حيث لم ينجوا مما في توبتهم من المشقة الهائلة وبه يتحقق التحقيق ويتأتى التوفيق والتطبيق بين دعائه عليه السلام وبين الجواب، وهو من قوله: (عذابي) إلى هنا فقد علم أن اتباع القرآن وتعظيم النبي عليه السلام بعد الإيمان سبب للفوز والفلاح عند الرحمن، ونصرته عليه السلام على العموم والخصوص، فالعموم للعامة من أهل الشريعة، والخصوص للخاصة من أرباب الطريقة وأصحاب الحقيقة، وهم الواصلون إلى كمال أنوار الإيمان وأسرار التوحيد بالإخلاص والاختصاص.
[فصل]
واعلم: أن المقصود الإلهي من ترتيب سلسلة الأنبياء عليهم السلام هو وجود محمد صلى الله عليه وسلّم فوجود الأنبياء قبله كالمقدمة لوجوده الشريف فهو الخلاصة والنتيجة والزبدة وأشرف الأنبياء والمرسلين كما قال عليه السلام:
«فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون»
وكذلك المقصود من الكتب الإلهية السالفة هو القرآن الذي أنزل على النبي عليه السلام، فهو زبدة الكتب الإلهية وأعظمها ومصدق لما بين يديه؛ لأنه بلفظ قد أعجز البلغاء أن يأتوا بسورة من مثله وبمعناه جامع لما في الكتب السالفة من الأحكام والآداب والفضائل متضمن للحجج والبراهين والدلائل، وكذا المقصود من الأمم السالفة هو هذه الأمة المرحومة أعني أمة محمد صلى الله عليه وسلّم فهي كالنتيجة لما قبلها، وهي الأمة الوسط كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} (البقرة: 143) .