{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}
أي: هو المستحق للمعبودية لا غير {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} أي: الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء والدائم القيَّام بتدبير الخلق وحفظه.
وهذا رد على من زعم أن عيسى عليه السلام كان رباً فإنه روي أن وفد نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكانوا ستين راكباً: فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، ثلاثة منهم أكابر إليهم يؤول أمرهم، أحدهم أميرهم وصاحب مشورتهم العاقب واسمه عبد المسيح، وثانيهم وزيرهم ومشيرهم السيد واسمه الأبهم، وثالثهم حبرهم وأسقفهم وصاحب مدارسهم أبو حارثة أحد بني بكر بن وائل وقد كان ملوك الروم شرفوه ومولوه وأكرموه لما شاهدوا من علمه واجتهاده في دينهم وبنوا له كنائس فلما خرجوا من نجران ركب أبو حارثة بغلته وكان أخوه كرز بن علقمة إلى جنبه فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت فقال كرز: تعساً للأبعد يريد به رسول الله عليه السلام فقال له أبو حارثة: بل تعست أمك فقال كرز: ولمَ يا أخي؟ قال إنه والله النبي الذي كنا ننتظر، فقال له كرز فما يمنعك عنه وأنت تعلم هذا؟ قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالاً كثيرة وأكرمونا فلو آمنا به لأخذوها منا كلها فوقع ذلك في قلب كرز وأصره إلى أن أسلم فكان يحدث بذلك، فأتوا المدينة ثم دخلوا مسجد رسول الله عليه السلام بعد صلاة العصر عليهم ثياب خيرات من جبب وأردية فاخرة يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي عليه السلام: ما رأينا وفداً مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا ليصلوا في المسجد فقال عليه السلام: «دعوهم» فصلوا إلى المشرق ثم تكلم أولئك الثلاثة مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقالوا: تارة عيسى هو الله لأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير وتارة أخرى هو ابن الله إذ لم يكن له أب يعلم وتارة أخرى أنه ثالث ثلاثة لقوله تعالى فعلنا وقلنا ولو كان أحداً لقال: فعلت وقلت فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم «أسلموا» قالوا: أسلمنا قبلك قال عليه السلام: «كذبتم يمنعكم من الإسلام ادعاؤكم لله تعالى ولداً» قالوا: إن لم يكن ولداً لله فمن أبوه فقال عليه السلام: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه» فقالوا: بلى قال صلى الله عليه وسلّم «ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء» قالوا: بلى قال عليه السلام: «ألستم تعلمون أن ربنا قيوم على كل شيء يحفظه ويرزقه» قالوا: بلى قال صلى الله عليه وسلّم «فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً» قالوا: لا فقال عليه السلام: «ألستم تعلمون أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء» قالوا: بلى قال عليه السلام: «فهل يعلم عيسى شيئاً من ذلك إلا ما علم» قالوا: لا قال صلى الله عليه وسلّم «ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وأن ربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث» قالوا: بلى قال صلى الله عليه وسلّم «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث» قالوا: بلى قال صلى الله عليه وسلّم «فكيف يكون هذا كما زعمتم» فسكتوا فأبوا إلا جحودا فأنزل الله تعالى من أول السورة إلى نيف وثمانين آية تقريراً لما احتج به عليه السلام عليهم وأجاب به عن شبههم وتحقيقاً للحق الذي فيه يمترون.