وفي «التأويلات النجمية»
في قوله: {اسْجُدُواْ} ثلاثة معان:
أحدها: أنكم تسجدون بالطبيعة الملكية والروحانية فاسجدوا لآدم خلافاً للطبيعة بل اعبدوا وارقوا انقياداً للأمر وامتثالاً للحكم.
والثاني: اسجدوا لآدم تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به وذلك لأن الله تعالى يتجلى فيه فمن سجد له فقد سجد لله كما قال تعالى في حق حبيبه عليه السلام
{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} .
والثالث: اسجدوا لآدم أي: لأجل آدم وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست بموجبة لثوابهم وترقي درجاتهم وفائدتها راجعة إلى الإنسان لمعنيين:
أحدهما: أن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر وينزجر عن الآباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس ويكون مقبولاً ممدوحاً مكرماً كما كان الملائكة في امتثال الأمر لقوله تعالى: {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6) .
والثاني: أن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان كما قال تعالى: {وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ} (الشورى: 5) فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفروا لهم {فَسَجَدُواْ} أي: سجد الملائكة لأنهم خلقوا من نور كما قال عليه السلام: «خلقت الملائكة من نور» والنور من شأنه الانقياد والطاعة.
والفاء في قوله (فسجدوا) لإفادة مسارعتهم إلى الامتثال وعدم تلعثمهم في ذلك.
{إِلَّا إِبْلِيسَ} أي: ما سجد لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعاً.
وللعلماء في هذا الاستثناء قولان:
الأول: إنه استثناء متصل لأن إبليس كان جنياً واحداً بين أظهر الألوف من الملائكة مغموراً بهم متصفاً بصفاتهم فغلبوا عليه في قوله فسجدوا ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم. وأكثر المفسرين على أن إبليس من الملائكة لأن خطاب السجود كان مع الملائكة قال البغوي وهو الأصح [1] .
قال في «التيسير» :
أما وصف الملائكة بأنهم لا يعصون ولا يستكبرون فذلك دليل تصور العصيان منهم ولولا التصور لما مدحوا به لكن طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف وطاعة البشر تكلف ومتابعة الهوى منهم طبع ولا يستنكر من الملائكة تصور العصيان فقد ذكر من هاروت وماروت ما ذكر [2] .
والقول الثاني: أنه منقطع لأنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن بالنص قال تعالى: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (الكهف: 50)
وعن الحافظ أن الجن والملائكة جنس واحد فمن طهر منهم فهو ملك، ومن خبث فهو شيطان ومن كان بين بين فهو جن
[1] بل الأصح خلافه لقوله تعالى {كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} وغير ذلك من الأدلة مما هو مبسوط في كتب التفسير، والله أعلم.
[2] ما نسب إلى هاروت وماروت من ارتكاب المعاصي والكبائر لا أصل له، وهو من الإسرائيليات المنكرة، والله أعلم.