قال في «التيسير» :
قد روي في هذا أحاديث فيها ذكر نزول الملائكة والتعنيف على موسى بما سأل ولكن ليس ورودها على وجه يصح، ولا يجوز قبولها لأنها لا تليق بحال الأنبياء انتهى [1] .
وقال القشيري:
{وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى} مجيء المشتاقين ومجيء المغلوبين جاء موسى بلا موسى ولم يبق من موسى لموسى وآلاف آلاف رجال قطعوا مسافات وتحملوا مخافات فلم يذكرهم أحد، وهذا موسى خطا خطوات وإلى يوم القيامة يقرأ الصبيان {ولما جاء موسى لميقاتنا} باسطه الحق بالكلام فلم يتمالك أن {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} فإن غلبات الوجد استنطقته بكمال الوصلة من الشهود وقالوا لا يؤاخذ المغلوب بما يقول.
وقالوا إنه لا يشكر ثم ينكر قال وأشد الخلق شوقاً إلى الحبيب أقربهم من الحبيب هذا موسى وقف في محل المناجاة وحفت به الكرامات وكلمه بلا واسطة ولا جهات
{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} كأنه غائب هو شاهد لكن ما ازداد القوم شرباً إلا ازدادوا عطشاً، ولا ازدادوا قرباً إلا ازدادوا شوقاً.
وقال سأل موسى الرؤية بالكلام فأجيب {لَن تَرَانِي} بالكلام، وأسر المصطفى في قلبه ما كان يرجوه من تحويل القبلة من ربه فقيل له {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} (البقرة: 144)
وقال إنه سأل الله الرؤية فقال: {لَن تَرَانِي} وقال للخضر {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} (الكهف: 66، 67)
فصار جوابه {لَنْ} من الحق ومن الخلق ليبقى موسى بلا موسى ويصفو موسى عن كل نصيب لموسى بموسى وأنشد في معناه فقيل:
أبني أبينا نحن أهل منازل ... أبداً غراب البين فينا يزعق
والبلاء الذي ورد عليه بقوله تعالى: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} أشد من قوله: {لَن تَرَانِي} لأنه صريح في الرؤية وفي اليأس راحة.
وقوله: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} هذا إطماع فيما يمنعه فلما اشتد توقعه جعل الجبل دكاً وكان قادراً على إمساك الجبل لكنه قهر الأحباب وبه سبق الكتاب.
وفي قوله: {انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} بلاء شديد لموسى لأنه منع عن رؤية مقصوده، وأمر برؤية غيره ولو أمر بأن يغمض عينيه ولا ينظر إلى شيء بعده لكان الأمر أسهل عليه، ولكنه قيل له {لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ}
ثم أشد من ذلك أن الجبل أعطي التجلي ثم أمر موسى عليه السلام بالنظر إلى الجبل الذي قدم عليه في هذا السؤال، وهذا صعب شديد ولكن موسى رضي به وانقاد لحكمه، وفي معناه أنشدوا:
أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد
وقيل: بل هو لطف به حيث لم يصرح برده بل علله عوناً له على صبره.
وقيل: قد دنا اصبر قليلاً قليلاً ولما منع النظر رجع إلى رأس الأمر فقال {تبت إليك} إن لم تكن الرؤية التي هي غاية الرتبة من رأس الأمر وهو التوبة ثم هذا إناخة لعقوق العبودية وشرطها أن لا تبرح عن محل الخدمة إن حال بينك وبيني وجود القربة؛ لأن القربة حظ نفسك، والخدمة حق ربك، ولأن تكون بحق ربك أتم من أن تكون بحظ نفسك. كذا في «تفسير التيسير» نقلاً عن القشيري.
[1] لله در صاحب التيسير ونعم القول ما قال، وهذا هو اللائق بحال الأنبياء والمرسلين - صلى الله عليهم وسلم - والله أعلم.