بيان لافترائهم على الأنبياء عليهم السلام حيث قال نصارى نجران إن عيسى عليه السلام أمرنا أن نتخذه رباً حاشاه عليه السلام.
أي ما صح وما استقام لأحد سواء كان بشراً أو لا، وإنما قيل لبشر إشعاراً بعلة الحكم فإن البشرية منافية للأمر الذي أسنده الكفرة إليهم.
{أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتَابَ} الناطق بالحق الآمر بالتوحيد الناهي عن الإشراك كالتوراة والإنجيل والقرآن {وَالْحُكْمَ} أي الفهم والعلم {وَالنُّبُوَّةَ} وإيتاء الكتاب يستلزم إيتاء الحكم وهو الحكمة المعبر عنها باتقان العلم والعمل فلذلك قدم الكتاب على الحكم لأن المراد بالحكم هو العلم بالشريعة وفهم مقاصد الكتاب وأحكامه فإن أهل اللغة والتفسير اتفقوا على أن هذا الحكم هو العلم قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً} يعني العلم والفهم. فالكتاب السماوي ينزل أولاً ثم إنه يحصل في عقل النبي فهم ذلك الكتاب وأسراره وبعدما حصل فهم الكتاب يبلغ النبي ذلك المفهوم إلى الخلق وهو النبوة والأخبار فما أحسن هذا الترتيب.
{بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} وتقديم التعليم على الدراسة لزيادة شرفه عليها.
[فائدة]
اعلم أن العلم والدراسة جعلا سبباً للربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله وكفى هو دليلاً على خيبة سعي من جهد نفسه وكدّ روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل فكان مثل من غرس شجرة حسناء تؤنقه أي تعجبه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها فالعمل بغير العلم والعلم بغير العمل لا يثبت كل منهما بانفراده النسبة إلى الرب فعلم أن العالم الذي لا يعمل بعلمه منقطع النسبة بينه وبين ربه كالعامل الجاهل فكل منهما ليس من الله في شيء حيث لم تثبت النسبة إلا للتمسك بالعمل المبني على العلم.
قال علي رضي الله عنه قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك؛ لأن العالم ينفر الناس عن العلم بتهتكه، والجاهل يرغب الناس في الجهل بتنسكه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع» فعلى المعلم والمتعلم أن يطلب بعلمه مرضاة الله وبعمله الربانية فمن اشتغل بالتعليم والتعلم لا لهذا المقصد ضاع سعيه وخاب عمله.