اعلم أن الله تعالى سوى بين من سوف التوبة وأخرها إلى حضور الموت من الفسقة وبين من مات على الكفر في نفي التوبة للمبالغة في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة كأنه قال: توبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء في أنه لا توبة لهم؛ لأن حضرة الموت أول أحوال الآخرة فكما أن الميت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين فكذلك المسوف إلى حضرة الموت لعدم محلها، وتلك التسوية لكيلا يهمل المذنب في أمر التوبة، ولا يتأهل العاقل في المسارعة إلى طلب المغفرة.
وإذا هب من الله رياح العناية تجد العبد يسرع إلى التوبة ويمد نفسه إلى أسبابها ويتأثر بشيء يسير فيتوب عن قبح معاملته.
قال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} (آل عمران: 133) فمسارعة المذنب بالتوبة وترك الإصرار والرجوع إلى باب الملك الغفار، ومسارعة المطيع بالاجتناب عن السيئات وزيادة الخيرات والحسنات.
قال أبو بكر الواسطي قدس سره التأني في كل شيء حسن إلا في ثلاث خصال:
عند وقت الصلاة، وعند دفن الميت، والتوبة عند المعصية.
وكان في الأمم الماضية إذا أذنبوا حرم عليهم حلال، وإذا أذنب واحد منهم ذنباً وجد على بابه أو على جبهته مكتوباً إن فلان ابن فلان قد أذنب كذا وتوبته كذا، فسهل الله الأمر على هذه الأمة فقال: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} (النساء: 110) .
وانظر إلى رحمة الله ورأفته على عباده أنه سماهم مؤمنين بعدما أذنبوا فقال: {وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} (النور: 31) وأحبهم بعد التوبة فقال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة: 222) .
فينبغي أن لا يغتر الإنسان بشيء من الأشياء في حال من الأحوال فإنه وإن كان يمهل ولكن لا يهمل فإن الموت يجيء ألبتة إذا فني العمر وامتلأ الإناء.