بيان لـ (يقول) في الآية السابقة وتوبيخ لما هو غرضهم مما يقولون أو استئناف وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الذهن كأنه قيل ما لهم يقولون ذلك وهم غير مؤمنين فقيل يخادعون إلخ أي: يخدعون
وإنما أخرج في زنة فاعل للمبالغة وخداعهم مع الله سبحانه ليس على ظاهره لأنه لا تخفى عليه خافية ولأنهم لم يقصدوا خديعته بل المراد إما مخادعة رسوله على حذف المضاف أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنه خليفته في أرضه والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده ففيه رفع درجة النبي صلى الله عليه وسلّم حيث جعل خداعه خداعه، وإما أن صورة صنعهم مع الله من إظهار الإيمان واستبطان الكفر وصنع الله معهم من إجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده تعالى أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار استدراجاً لهم وامتثال الرسول والمؤمنين أمر الله تعالى في إخفاء حالهم وإجراء حكم الإسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنع المخادعين فتكون المخادعة بين الاثنين.
والمراد هنا بيان أن ضرر مخادعتهم راجع إليهم لا يتخطاهم إلى غيرهم أي: يفعلون ما يفعلون والحال أنهم ما يضرون بذلك إلا أنفسهم فإن دائرة فعلهم مقصورة عليهم ومن حافظ على الصيغة قال وما يعاملون تلك المعاملة الشبيهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها لا يحيق إلا بهم ووبال خداعهم راجع إليهم لأن الله تعالى يطلع نبيه صلى الله عليه وسلّم على نفاقهم فيفضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في العقبى.
وقيل يعاملهم على وفق ما عاملوا وذلك فيما جاء أنهم إذا ألقوا في النيران وعذبوا فيها طويلاً من الزمان استغاثوا بالرحمن قيل لهم: هذه الأبواب قد فتحت فاخرجوا فيتبادرون إلى الأبواب فإذا انتهوا إليها أغلقت دونهم وأعيدوا إلى الآبار والتوابيت مع الشياطين والطواغيت قال تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً} (الطارق: 15 - 16) .
وفي الحديث «يؤمر بنفر من الناس يوم القيامة إلى الجنة حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله تعالى لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة وندامة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها فيقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثواب ما أعددت لأوليائك فيقول ذلك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظائم فإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراؤون الناس وتظهرون خلاف ما تنطوي قلوبكم عليه هبتم الدنيا ولم تهابوني أجللتم الناس ولم تجلوني وتركتم للناس ولم تتركوا لي» يعني: لأجل الناس فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع ما حرمتكم يعني من جزيل ثوابي كذا «في روضة العلماء» و «تنبيه الغافلين» .