والختم الكتم سمي به الاشتيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه لأنه كتم له وبلوغ آخره ومنه ختم القرآن نظراً إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه ولا ختم على الحقيقة، وإنما المراد به أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي واستقباح الإيمان والطاعات بسبب غيهم وانهماكهم في التقليد وإعراضهم عن النظر الصحيح فتجعل قلوبهم بحيث لا يؤثر فيها الإنذار ولا ينفذ فيها الحق أصلاً وسمي هذه الهيئة على الاستعارة ختماً وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} وبالإغفال في قوله: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} (النحل: 108) وبالإقساء في قوله: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} (المائدة: 13) وهي من حيث إن الممكنات بأسرها مسندة إلى الله تعالى واقعة بقدرته أسندت إليه تعالى ومن حيث إنها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} وقوله ذلك: {بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} (المنافقون: 3)
وردت الآية الكريمة ناعية عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم فالختم مجازاة لكفرهم والله تعالى قد يسر عليهم السبل فلو جاهدوا لوفقهم فسقط الاعتراض بأنه إذا ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم فمنعهم عن الهدى فكيف يستحقون العقوبة؟
قال الشيخ في «تفسيره» وإسناد الختم إلى الله للتنبيه على أن إباءَهم عن قبول الحق كالشيء الخلقي غير العرضى انتهى.
وقال في التيسير حاصل الختم عند أهل الحق عقوبة من الله تعالى لا تمنع العبد من الإيمان جبراً ولا تحمله على الكفر كرهاً بل هي زيادة عقوبة له على سوء اختياره وتماديه في الكفر وإصراره يحرم بها من اللطف الذي سهل به فعل الإيمان وترك العصيان يدل عليه أنهم بقوا مخاطبين بالإيمان بقوله تعالى: {بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ} (الحديد: 7) وملومين على الامتناع عنه لقوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (الإنشقاق: 20) ولو صاروا مجبورين وعن الإيمان عاجزين لزال الخطاب وسقط اللوم والعتاب كما في الختم على الأفواه يوم الحساب لما عجزوا به حقيقة عن الكلام لم يبق الخطاب بالكلام وتحقيق المذهب إثبات فعل العبد وتخليق الله تعالى.