{فَاثْبُتُواْ} وقت لقائهم وقتالهم ولا تنهزموا وفي الحديث: «لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا»
وإنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والوثوق بالقوة ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو وتحقيرهم، وهذا يخالف الاحتياط، كما قالوا في آداب المناظرة إنه ينبغي أن لا يحسب المناظر الخصم حقيراً،
أي: صغيراً ذليلاً؛ لأن استحقار الخصم ربما يؤدي إلى صدور الكلام الضعيف من المناظر لعدم المبالاة فيكون سبباً لغلبة الخصم الضعيف عليه، فيكون الضعيف قوياً، والقوي ضعيفاً، والشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أعم.
فعلى العاقل أن يسأل العفو والعافية فإنه لا يدري ما يفعل به.
قال بعض الحكماء: إن لله جنة في الدنيا من دخلها يطيب عيشه وهي مجالس الذكر.
وفي الحديث: «إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم ثم بعثوا رائدهم إلى السماء إلى رب العزة تبارك وتعالى فيقولون ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك محمد صلى الله عليه وسلّم ويسألونك لآخرتهم ودنياهم فيقول الله تبارك وتعالى غشوهم رحمتي فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» .
قال في «أنوار المشارق» :
وكما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله والعادة جرت في حلق الذكر بالعلانية إذ لم يعرف في كرّ الدهور حلقة ذكر اجتمع عليها قوم ذاكرون في أنفسهم، فالذكر برفع الصوت أشد تأثيراً في قمع الخواطر الراسخة على قلب المبتدئ، وأيضاً يغتنم الناس بإظهار الدين بركة الذكر من السامعين في الدور والبيوت ويشهد له يوم القيامة كل رطب ويابس سمع صوته خصوصاً في مواضع الازدحام بين الغافلين من العوام لتنبيه الغافلين وتوفيق الفاسقين.