وإنما سمي البيت كعبة لتكعبه أي لتربعه، والعرب تسمى كل بيت مربع كعبة تشبيها له بكعب الرجل الذى عند ملتقى الساق والقدم في كونه على هيئته في التربيع.
وقيل سميت كعبة لارتفاعها عن الأرض وأصلها من الخروج والارتفاع، وسمي الكعب كعبا لنتوه وخروجه من جانبي القدم، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثدياها كاعب.
والكعبة لما ارتفع ذكرها في الدنيا واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الاسم، ولذلك فإنهم يقولون لمن عظم قدره وارتفع شأنه فلان علا كعبه.
وسمي البيت الحرام؛ لأن الله تعالى حرمه وعظم حرمته، فالحرام بمعنى المحرم.
{وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ} أي: وجعل الشهر الحرام الذي يؤدى فيه الحج وهو ذو الحجة.
وقد فضل الله الأشهر والأيام والأوقات بعضها على بعض كما فضل الرسل والأمم بعضها على بعض لتبادر النفوس وتسارع القلوب إلى إدراكها واحترامها وتتشوق الأرواح إلى إحيائها بالتعبد فيها ويرغب الخلق في فضائلها.
[لطيفة]
قال الإمام النيسابوري عشر ذي الحجة أفضل الأيام وأحبها عند الله تعالى بعد شهر رمضان لأنها هي التي ناجى فيها كليم الله موسى ربه وفيها أحرم جميع الخلق بالحج ووجد آدم التوبة في أيام العشر وإسماعيل الفداء وهود النجاة ونوح الإنجاء ومحمد الرسالة وأصحابه الرضوان في البيعة، وبشارة خيبر وفتح الحديبية ونزول المغفرة بقوله تعالى: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح: 2)
وغير ذلك من الآيات والكرامات.
{ذلِكَ} إشارة إلى الجعل منصوب بفعل مقدر أي: شرع الله ذلك وبين {لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} فإن تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار الدينية والدنيوية قبل وقوعها وجلب المنافع الأولوية والأخروية من أوضح الدلائل على حكمة الشارع وعلى عدم خروج شيء من علمه المحيط {وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تعميم بعد تخصيص للتأكيد.