[فصل]
قال بعضهم: علامة الأولياء أن همومهم مع الله، وشغلهم بالله وفرارهم إليه فنوافي أحوالهم ببقائهم في مشاهدة مالكهم فتوالت عليهم أنوار الولاية، فلم يكن لهم عن نفوسهم أخبار، ولا مع واحد غير الله قرار، وهم المتحابون في الله.
قال صلى الله عليه وسلّم «إن لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله» قيل يا رسول الله من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم؟ قال: «هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام منهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس»
قوله: يغبطهم الأنبياء تصوير لحسن حالهم على طريقة التمثيل.
قال: «الكواشي» :
وهذا مبالغة والمعنى لو فرض قوم بهذه الصفة لكانوا هؤلاء وإلا فلا خلاف أن أحداً من غير الأنبياء لا يبلغ منزله الأنبياء.
وفي تفسير الفاتحة للفناري:
إن النبيين يفزعون على أممهم للشفقة التي جبلهم الله عليها للخلق فيقولون يوم القيامة: اللهم سلم سلم، ويخافون أشد الخوف على أممهم، والأمم يخافون على أنفسهم.
وأما الآمنون على أنفسهم، فيغبطهم النبيون في الذي هم عليه من الأمن لما هم أي: النبيون عليه من الخوف على أممهم وإن كانوا آمنين على أنفسهم.
يقول الفقير: وحين الانتهاء في التحرير إلى هذا المحل ظهر لي وجه آخر وهو أن الحديث المذكور ناطق عن المحبة في الله والمحبة مقام اختص به عليه السلام من بين الأنبياء والرسل وهو لا ينافي تحقق الكمل من ورثته بحقائقه إذ كمال التابع تابع لكمال متبوعه فمن الجائز أن يحصل لهم من ذلك المقام وآثاره ما به يغبطهم بعض الأنبياء.
وقد ورد «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» [1]
ولا يلزم من ذلك بلوغهم منزلة الأنبياء ورجحانهم عليهم مطلقاً وقد تقرر أن الأفضل قد يكون مفضولاً من وجه، وبالعكس ألا ترى قوله عليه السلام: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» ودرجات المعرفة لا نهاية لها وإلى الله المنتهى.
وقال أبو يزيد قدس سره: أولياء الله تعالى عرائس، ولا يرى العرائس إلا من كان محرماً لهم، وأما غيرهم فلا، وهم مخدرون عنده في حجاب الأنس لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة.
وقال سهل: أولياء الله لا يعرفهم إلا أشكالهم، أو من أراد أن ينفعه بهم، ولو عرفهم حتى يعرفهم الناس لكانوا حجة عليهم.
[1] مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره العجلوني في كشف الخفاء ومزيل الإلباس والقارئ في الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة. اهـ.