فهرس الكتاب

الصفحة 1993 من 3176

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(53)}

قال الإمام الغزالي قدس سره:

إن النعمة إنما تسلب ممن لا يعرف قدرها وأقنع في هذا الباب بمثال ملك يكرم عبداً له فيخلع عليه خاصة ثيابه ويقربه منه ويجعله فوق سائر حجابه وخدامه ويأمره بملازمة بابه ثم يأمر أن يبتنى له في موضع آخر القصور وتوضع له الأسرة وتنصب له الموائد وتزين له الجواري ويقام له الغلمان حتى إذا رجع من الخدمة أجلس هنالك ملكاً مخدوماً مكرّماً وما بين حال خدمته إلى ملكه وولايته إلا ساعة من نهار أو أقل فإن أبصر هذا العبد بجانب باب الملك سائساً للدواب يأكل رغيفاً أو كلباً يمضع عظماً فجعل يشتغل عن خدمة الملك بنظره إليه وإقباله عليه ولا يلتفت إلى ما له من الخلع والكرامة فيسعى إلى ذلك السائس ويمد يده ويسأله كسرة من رغيفه أو يزاحم الكلب على العظم ويعظمهما ويعظم ما هما فيه أليس الملك إذا نظر إليه على مثل هذه الحالة، يقول هذا السفيه لم يعرف حق كرامتنا ولم ير قدر إعزازنا إياه بخلعنا والتقرب إلى حضرتنا مع صرفنا إليه من عنايتنا وأمرنا له من الذخائر وضروب الأيادي، ما هذا إلا ساقط عظيم الجهل قليل التمييز اسلبوه الخلع واطردوه عن بابنا، فهذا حال العالم إذا مال إلى الدنيا والعابد إذا اتبع الهوى فعليك أيها الرجل ببذل المجهود حتى تعرف نعم الله تعالى عليك واحذر من أن تكون النعمة نقمة والولاء بلاء والعز ذلاً والإقبال إدباراً واليمين يساراً فإن الله تعالى غيور.

والمقصود: أن من عرف الله وعرف قدر نعمته عليه ترك الالتفات إلى الدنيا، بل إلى الكونين، فإن الله أجلُّ من كل شيء، وذكره أفضل من كل ذكر وكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت