وإنما منّ علينا بهذا لأن الناس إذا رجعوا إلى أصل واحد كانوا أقرب إلى أن يألف بعضهم بعضاً.
وإنما ذكر مع ذكر النجوم {يعلمون} ومع ذكر تخليق بني آدم {يفقهون} لأن ذلك إشارة إلى آيات الآفاق وهذا إلى آيات الأنفس، ولا شك أن آيات الآفاق أظهر وأجلى وآيات الأنفس أدق وأخفى، فكان ذكر الفقه لها أنسب وأولى لأن الفقه عبارة عن الوقوف على المعنى الخفي.
وأصل تركيب الفقه يدل على الشق والفتح والفقيه العالم الذي يشق الأحكام ويفتش عن حقائقها ويفتح ما استغلق منها فالفقه إنما يطلق حيث يكون فيه حذاقة وتدقيق نظر.
قال الحدادي: الفقه في اللغة هو الفهم لمعنى الكلام إلا أنه قد جعل في العرف عبارة عن علم الغيب على معنى إنه استدراك معنى الكلام بالاستنباط من الأصول، ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى بأنه فقيه لأنه لا يوصف بالعلم على جهة الاستنباط ولكنه عالم جميع الأشياء على وجه أحد انتهى.
ثم هذه الآيات الآفاقية والأنفسية تفصح عن صنع الله البديع وتدعو أهل الشرك إلى التوحيد والإيمان، وأهل الإخلاص إلى الشهود والعيان، وأهل المعصية إلى الطاعة والتوبة باللسان والجنان، فإن الامتنان بذكر النعم الجليلة يستدعي شكراً لها ومعرفة لحقها، ولكل قوم وفريق سلوك إلى طريق التحقيق على حسب ما أنعم عليه من توحيد الأفعال والصفات والذات، فعلى العاقل أن يجتهد في طلب الحق، فإن المقصود من ترتيب مقدمات العوالم آفاقية كانت أو أنفسية هو الوصول إلى الظاهر من جهة المظاهر
وإنما أصل الحجاب هو الغفلة.