فصل]
-قيل: - إن الحجاج لما أحضرته الوفاة كان يقول: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل ومات بواسط سنة خمس وتسعين وهي مدينته التي أنشأها وكان يوم موته يسمى عرس العراق ولم يعلم بموته حتى أشرفت جارية من القصر وهي تبكي وتقول ألا إن مطعم الطعام ومفلق الهام قد مات ثم دفن ووقف رجل من أهل الشام على قبره فقال: اللهم لا تحرمنا شفاعة الحجاج وحلف رجل من أهل العراق بالطلاق أن الحجاج في النار فاستفتى طاووس فقال: يغفر الله لمن يشاء وما أظنها إلا طلقت.
فيقال إنه استفتى الحسن البصري فقال: اذهب إلى زوجتك وكن معها فإن لم يكن الحجاج في النار فما يضركما أنكما في الحرام فقد وقفت من هذا المذكور على أن الله تعالى غفور رحيم يغفر لعبده وإن جاء بمثل زبد البحر ذنباً فاللازم للعباد الرجاء من الله تعالى.
قال الراغب: وهذه المنازل الثلاثة التي هي الإيمان والمهاجرة والجهاد هي المعنية بقوله: {اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} ولا سبيل إلى المهاجرة إلا بعد الإيمان ولا إلى جهاد الهوى إلا بعد هجران الشهوات ومن وصل إلى ذلك فحق له أن يرجو رحمته.
واعلم أن الهجرة على قسمين، صورية وقد انقطع حكمها بفتح مكة كما قال عليه السلام: «لا هجرة بعد الفتح» .
ومعنوية: وهي السير عن موطن النفس إلى الله لفتح كعبة القلب وتخليصها من أصنام الشرك والهوى فيجري حكمها إلى يوم القيامة، وكذا الجهاد في سبيل الله على قسمين، أصغر وهو الجهاد مع الكفار، وأكبر وهو الجهاد مع النفس
وإنما كان هذا الجهاد أكبر لأن غاية الأول إصلاح الظاهر، وغاية الثاني إصلاح الباطن وهو أصعب وأقوى، وأيضاً غاية الأول الوصول إلى الجنة والرحمة، وغاية الثاني الوصول إلى مشاهدة الحق والجمال المطلق، وأيضاً غاية الأول الشهادة، وغاية الثاني الصديقية، والصديقون أعلى منزلة من الشهداء كما قال تعالى {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ} (النساء: 69)
فقدم ذكر الصديقين على ذكر الشهداء، فإذا وصل المرء إلى صلاح النفس بالجهاد الأكبر الذي هو أعز من الكبريت الأحمر يرحم العباد ولا يقصد لهم الضرر.
-حُكِيَ - أن بعضهم جاء إلى بعض المشايخ وخدمه وقال له: أريد أن تعلمني الاسم الأعظم فقال له وفيك أهلية له قال: نعم قال: اذهب إلى باب البلد ثم أخبرني بما جرى فيه فذهب وجلس على باب البلد فإذا بشيخ حطاب معه حطب على حمار فضربه جندي وأخذ حطبه ظلماً فلما رجع الرجل إلى الشيخ وأخبره بالقصة قال له الشيخ: لو كنت تعلم الاسم الأعظم ما تصنع بالجندي قال: كنت أدعو عليه بالهلاك فقال له الشيخ: اعلم أن الحطاب هو الذي علمني الاسم الأعظم، واعلم أن الاسم الأعظم لا يصلح إلا لمن يكون على هذه الصفة من الصبر والرحمة على الخلق والشفقة عليهم.