قال حضرة شيخي وسندي روح الله روحه في بعض مناجاته: اللهم إني أحمدك في السراء والضراء، وأقول في السراء الحمد لله المنعم المفضل نظراً إلى النعمة الظاهرة والمنحة الجلية في السراء، وأقول في الضراء الحمد لله على كل حال نظراً إلى النعمة الباطنة والمنحة الخفية في الضراء، لكن أشكرك في السراء وأقول الشكر لله طمعاً في زيادة النعمة والمنحة بمقتضى وعدك في قولك {لئن شكرتم لأزيدنكم} (إبراهيم: 7) فإذا دفعت عني البلية ورفعت المحنة فأشكرك مطلقاً كما أحمدك كذلك، وأقول الشكر لله مطلقاً كما أقول الحمد لله كذلك انتهى.
{وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ}
أي بعضه الذي وجب عليهم إنفاقه، فـ {مِنْ} للتبعيض، والمراد بالبعض المتصدق به الزكاة المفروضة لاقترانه بالصلاة التي هي أخت الزكاة وشقيقتها، أو مطلق ما ينفق في سبيل الله نظراً إلى إطلاق اللفظ من غير قرينة الخصوص {سِرًّا} لمن لا يعرف بالمال يتناول النوافل لأنها في السر أفضل {وَعَلَانِيَةً} لمن عرف به يشمل الفرائض لوجوب المجاهرة بها نفياً للتهمة.
والمعنى إسرار النوافل من الصدقات والإعلان بالفرائض.
قال الشيخ عز الدين: الواجب قسمان واجب بالشرع وواجب بالمروءة، والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة، فإن منع واجبا منهما فهو بخيل، ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل كالذي يمنع أداء الزكاة والنفقة الواجبة أو يؤديها بمشقة، فإنه بخيل بالطبع متسخ بالتكلف، أو كان بحيث لا يطيب له أن يعطي من أطيب ماله أو من أوسطه فهذا كله بخل.
وأما واجب المروءة المضايقة والاستقصاء في المحقرات فإن ذلك مستقبح واستقباحه يختلف بالأحوال والأشخاص، فمن كثر ماله يستقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة ما لا يستقبح أقل منه في المبايعة والمعاملة، فيختلف ذلك بما فيه المضايقة من ضيافة أو معاملة وبما به المضايقة من طعام أو ثوب، فالبخيل هو الذي يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع إما بحكم الشرع وإما بحكم المروءة، وجاء في وصف البخيل.
لو عبر البحر بأمواجه ... في ليلة مظلمة بارده
وكفه مملوءة خردلاً ... ما سقطت من كفه واحده
واعلم أن الله تعالى أسند الإنفاق إليهم، وإعطاء الرزق إلى ذاته تعالى تنبيهاً على أنهم أمناء الله فيما أعطاهم ووكلاؤه، والوكيل دخيل في التصرف لا أصيل، فينبغي له أن يلاحظ جانب الموكل لا جانب نفسه ولا جانب الخلق، وقد قالوا من طمع في شكر أو ثناء فهو بياع لا جواد، فإنه اشترى المدح بماله، والمدح لذيذ مقصود في نفسه، والجود هو بذل الشيء من غير غرض.