وما روى في قصتهما من أنهما شربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم فمما لا تعويل عليه لأن مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل.
{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} من مزيدة في المفعول به لإفادة تأكيد الاستغراق الذي يفيده أحد والمعنى ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ما أنزل على الملكين ويحملونهم على العمل به إغواء وإضلالاً والحال أن الملكين ما يعلمان ما أنزل عليهما من السحر أحداً من طالبيه {حَتَّى} ينصحاه أولاً وينهياه عن العمل به والكفر بسببه و {يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} وابتلاء من الله تعالى فمن عمل بما تعلم منا واعتقد حقيته كفر، ومن توقى عن العمل به أو اتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقي على الإيمان.
{وَمَا هُم} أي: ليس الساحرون {بِضَآرِّينَ بِهِ} أي: بما تعلموه واستعملوه من السحر {مِنْ أَحَدٍ} أي: أحداً {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} أي: ما يضرون به أحداً إلا مقروناً بعلم الله وإرادته وقضائه لا بأمره لأنه لا يأمر بالكفر والاضرار والفحشاء ويقضي على الخلق بها فالساحر يسحر والله يكوّن فقد يحدث عند استعمالهم السحر فعلاً من أفعاله ابتلاء وقد لا يحدثه وكل ذلك بإرادته ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض وبإلقاء الشرور حتى يحول بين المرء وقلبه
وذلك بإدخال الآلام وعظيم الأسقام وكل ذلك مدرك بالحس والمشاهدة وإنكاره معاندة وإن أردت التفصيل وحقيقة الحال فاستمع لما نتلو عليك من المقال وهو أن السحر إظهار أمر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة أعمال مخصوصة يجري فيه التعلم والتعليم وبهذين الاعتبارين يفارق المعجزة والكرامة.
{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} أي: باعوها لأن الشراء من الأضداد واللام جواب قسم محذوف والمخصوص بالذم محذوف أي: والله لبئس ما باعوا به أنفسهم السحر أو الكفر وعبر عن إيمانهم بأنفسهم لأن النفس خلقت للعلم والعمل والإيمان {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} جواب لو محذوف أي: لما فعلوا ما فعلوا من تعلم السحر وعمله أثبت لهم العلم أولاً بقوله ولقد علموا ثم نفى عنهم لأنهم لما لم يعملوا بعلمهم فكأنهم لم يعلموا فهذا في الحقيقة نفي الانتفاع بالعلم لا نفي العلم.