[فصل]
واختلف القائلون بحياتهم في الحال أنها للروح أو للبدن.
ولا بد ههنا من تقديم مقدمة ليتضح بها المقام وهي أن الإنسان المخصوص ليس عبارة عن مجموع هذه البنية المخصوصة بل هو شيء مغاير لها وذلك لأن أجزاء هذه البنية في الذوبان والانحلال والتبدل والتغير بالسمن وضده والصغر وخلافه والإنسان المخصوص شيء واحد باق من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل فثبت أن الإنسان مغاير لهذا البدن المخصوص ثم بعد هذا يحتمل أن يكون جسماً مخصوصاً سارياً في هذه الجثة سريان النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد ويحتمل أن يكون جوهراً قائماً بنفسه ليس بجسم ولا حال في الجسم وعلى كلا المذهبين لا يبعد أن ينفصل ذلك الشيء حياً عند موت البدن فيثاب ويعذب على حسب أعماله والدلائل العقلية والنقلية الدالة على بقاء النفوس بعد موت الأجساد كثيرة متعاضدة فوجب المصير إليه وبه تزول الشبهات الواردة على القول بثواب القبر كما في هذه الآية وعلى القول بعذاب القبر كما في قوله تعالى: {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} (نوح: 25) إذا لم تمت النفوس بموت الأبدان أو قلنا بأنه تعالى أماتها ثم أعاد الحياة إليها كما يدل عليه ما روى في بعض الأخبار أنه قال صلى الله عليه وسلّم في صفة الشهداء «إن أرواحهم في أجواف طير خضر وإنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مطعمهم ومسكنهم ومشربهم قالوا: يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله بنا كي يرغبوا في الجهاد فقال الله تعالى: أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا» فأنزل الله هذه الآية. والذين أثبتوا هذه الحياة للأجساد اختلفوا. فقال بعضهم: إنه تعالى يصعد أجساد هؤلاء الشهداء إلى السماوات إلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها. ومنهم من قال: يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها كذا في «تفسير الإمام» ولابن سينا رسالة في علم النفس ولعمري قد بلغ القصوى في التحقيق فليطلبها من أراد، وفضائل الشهداء لا نهاية لها قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة وله سبع خصال يغفر له في أول قطرة قطرت من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج بثلاث وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من أقربائه» .