فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 3176

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)}

كانوا يقتلون بالواحد الجماعة كما قتل مهلهل بن ربيعة بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع فيما بينهم التشاجر والهرج والمرج وارتفاع الأمن فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه أي: حياة لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل إذا قتل لا يقدم على القتل وإذا قتل فقتل ارتدع غيره فكان القصاص سبب حياة نفسين أو أكثر وهو كلام في غاية الفصاحة والبلاغة من حيث جعل الشيء محل ضده فإن ضدية شيء لآخر تستلزم أن يكون تحقق أحدهما رافعاً للآخر والقصاص لاستلزامه ارتفاع الحياة ضد لها وقد جعل ظرفاً لها تشبيهاً له بالظرف الحقيقي من حيث إن المظروف إذا حواه الظرف لا يصيبه ما يخل به ويفسده ولا هو يتفرق ويتلاشى بنفسه كذلك القصاص يحمي الحياة من الآفات فكان من هذا الوجه بمنزلة الظرف لها ولا شك فيه إذ جعل الضد حامياً لضده اعتبار لطيف في غاية الحسن والغرابة التي هي من نكات البلاغة وطرقها {يأُولِي الأَلْبَابِ} أي: ذي العقول الخالصة من شوب الأوهام ناداهم للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان أو تتقون عن القتل مخافة القود، وفيه تحذير عن القتل فإن من أعظم حقوق العباد الدماء وهي أول ما يحاسب به العبد بالنسبة إلى حقوق العباد كما أن الصلاة أول ما يحاسب به بالنسبة إلى حقوق الله تعالى.

واعلم أن الذنوب على ثلاثة أوجه:

الأول فيما بين العبد وبين الله تعالى: كالزنى واللواطة والغيبة والبهتان ما لم يبلغ إلى من بهته واغتابه فإذا بلغه وجعله في حلّ وتاب المذنب فنرجو أن الله يغفر له، وكذلك إذا زنى بامرأة ولها زوج فلم يجعله ذلك الرجل في حلّ لا يغفر له؛ لأن خصمه الآدمي فإذا تاب وجعله في حل فإنه يغفر له ويكتفى بحل منه ولا يذكر الزنى بأن قال: كل حق لي عليك فقد جعلتك في حل منه ومن كل خصومة بيني وبينك، وهذا صلح بالمعلوم على المجهول وذلك جائز كرامة لهذه الأمة لأن الأمم السالفة ما لم يذكر الذنب لا يغفر لهم.

والثاني ذنب فيما بينه وبين أعمال الله: وهو أن يترك الصلاة والصوم والزكاة والحج فإن التوبة لا تكفيه ما لم يقض الصلاة وغيرها لأن شرط التوبة أن يؤدي ما ترك فإذا لم يؤد فكأنه لم يتب.

والثالث فيما بينه وبين عباد الله وهو أن يغصب أموالهم أو يضربهم أو يشتمهم أو يقتلهم فإن التوبة لا تكفيه إلا أن يرضى عنه خصمه أو يجتهد في الأعمال الصالحة حتى يوفق الله بينهما يوم القيامة فإنه إذ تاب العبد وكان عليه حقوق العباد فعليه أن يردها إلى أربابها وإن عجز عن إيصالها وأراد الله مغفرته يقول لخصمه يوم القيامة: ارفع رأسك فيرفع فيرى قصوراً عالية فيقول: يا رب لمن هذه؟ فيقول الله تعالى: أنت قادر عليها فإن ثمنها عفوك عن أخيك فيقول: قد عفوت فيقول الله تعالى خذ يد أخيك واذهبا إلى الجنة.

والإشارة في الآية أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم كما كتب على نفسه الرحمة في قتلاه كما قال: «من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت