وإنما خصص العبادة به تعالى لأن العبادة نهاية التعظيم فلا تليق إلا بالمنعم في الغاية وهو المنعم بخلق المنتفع وبإعطاء الحياة الممكنة من الانتفاع كما قال تعالى:
{وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} (البقرة: 28) الآية {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} (البقرة: 29) ولأن أحوال العبد ماض وحاضر ومستقبل ففي الماضي نقله من العدم والموت والعجز والجهل إلى الوجود والحياة والقدرة والعلم بقدرته الأزلية وفي الحاضر انفتحت عليه أبواب الحاجات ولزمته أسباب الضروريات فهو ربي الرحمن الرحيم وفي المستقبل مالك يوم الدين يجازيه بأعماله
فمصالحه في الأحوال الثلاثة لا تستتب إلا بالله فلا مستحق للعبادة إلا الله تعالى، ثم قوله: {نَعْبُدُ} يحتمل أن يكون من العبادة ومن العبودة والعبادة هي العابدية والعبودة هي العبدية، فمن العبادة الصلاة بلا غفلة والصوم بلا غيبة والصدقة بلا منة والحج بلا إراءة والغزو بلا سمعة والعتق بلا أذية والذكر بلا ملالة وسائر الطاعات بلا آفة، ومن العبودة الرضى بلا خصومة والصبر بلا شكاية واليقين بلا شبهة والشهود بلا غيبة والإقبال بلا رجعة والإيصال بلا قطيعة.
وأقسام العبادة على ما ذكره حجة الإسلام في كتابه المسمى «بالأربعين» :
عشرة، كما أن الاعتقادات التي قبلها عشرة، فالمعتقدات الذات الأزلية الأبدية المنعوتة بصفات الجلال والإكرام الذي هو الأول والآخر والظاهر والباطن أي: الأول بوجوده والآخر بصفاته وأفعاله والظاهر بشهادته ومكوناته والباطن بغيبه ومعلوماته، ثم التقديس عما لا يليق بكماله أو يشين بجماله من النقائص والرذائل، ثم القدرة الشاملة للممكنات، ثم العلم المحيط بجميع المعلومات حتى بدبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء وما هو أخفى منه كهواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر، ثم الإرادة بجميع الكائنات فلا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير إلا بقضائه ومشيئته مريد في الأزل لوجود الأشياء في أوقاتها المعينة فوجدت كما أرادها، ثم السمع والبصر لا يحجب سمعه بعدٌ ولا رؤيته ظلام فيسمع من غير أصمخة وآذان ويبصر من غير حدقة وأجفان، ثم الكلام الأزلي القائم بذاته لا بصوت ككلام الخلق وإن القرآن مقروء ومكتوب ومحفوظ ومع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى.
ثم الأفعال الموصوفة بالعدل المحض فلا موجود إلا وهو حادث بفعله وفائض من عدله إذ لا يضاف لغيره ملكاً ليكون تصرفه فيه ظلماً فلا يتصور منه ظلم ولا يجب عليه فعل فكل نعمة من فضله وكل نقمة من عدله، ثم اليوم الآخر، والعاشر النبوة المشتملة على إرسال الملائكة وإنزال الكتب.
وأما العبادات العشرة: فالصلاة والزكاة والصوم والحج وقراءة القرآن وذكر الله في كل حال وطلب الحلال والقيام بحقوق المسلمين وحقوق الصحبة والتاسع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعاشر: اتباع السنة وهو مفتاح السعادة وأمارة محبة الله كما قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: 38) .