فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 3176

[فائدة]

{قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ}

قولهم هذا يدل على معان مختلفة:

منها أن الله أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة وجبلتنا مركبة فلا نأس من مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد عليها ولا نبرئها كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام: {وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} (يوسف: 53) .

ومنها لنعلم أن كل عمل صالح نعمله هو بتوفيق الله إيانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصية طينتنا كما قال تعالى: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} (النساء: 79) وكل فساد وظلم لا يجري علينا ولا يصدر منافذ لك من حفظ الحق وعصمة الرب لقوله: {إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} (يوسف: 53) .

ومنها لنعلم أن الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال: من حسن عنايته في حقنا للملائكة المقربين {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} لكيلا نقنط من رحمته وننقطع عن خدمته.

ومنها لنعلم أن فساد الاستعداد أمر عظيم وبناء جسيم ومبنى الخلافة على الاستعداد والقابلية وليس للملائكة هذا الاستعداد والقابلية فلا نتغافل عن هذه السعادة ونسعى في طلبها حق السعاية.

ومنها أن الملائكة إنما قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} الخ لأنهم نظروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الأربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب أضداد العناصر كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات بل عاينوها فإنها خلقت قبل آدم فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها وحققوها وهذا لا يكون غيباً في حقهم

وإنما يكون غيباً لنا لأنا ننظر بالحس والملكوت يكون لأهل الحس غيباً ومنا من ينظر بالنظر الملكوتي فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (الأنعام: 75) وقال: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (الأعراف: 185) فحينئذٍ لا يكون غيباً فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت