قاله عليه السلام بعدما هلكوا تأسفاً بهم لشدة حزنه عليهم، ثم أنكر على نفسه ذلك، فقال: {فَكَيْفَ آسَى} أي: أحزن حزناً شديداً، فهو مضارع متكلم من الأسى من باب علم وهو شدة الحزن.
{عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} مصرين على الكفر ليسوا أهل حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم.
أو قاله اعتذاراً من عدم تصديقهم له وشدة حزنه عليهم، والمعنى: لقد بالغت في الإبلاغ والإنذار وبذلت وسعي في النصح والإشفاق فلم تصدقوا قولي فكيف آسى عليكم.
قال في «التأويلات النجمية» :
يعني خرجت عن عهدة تكليف التبليغ فإنه ما على الرسول إلا البلاغ، فإنه وإن نصحت لكم فما علي من إقراركم وإنكاركم شيء إن أحسنتم فالميراث الجميل لكم، وإن أسأتم فالضرر بالتألم عائد عليكم، ومالك الأعيان أولى بها من الأعيان، فالخلق خلقه، والملك ملكه إن شاء هداهم، وإن شاء أغواهم،
(فكيف آسى على قوم كافرين) فلا تأسف على نفي وفقد ولا أثر من كون ووجود؛ لأن الكل صادر من حكيم بالغ في حكمته كامل في قدرته انتهى.
قال الله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} (الحديد: 23)
وهذا إنما يحصل عند الفناء الكلي وهو للأنبياء عليهم السلام وكمل الأولياء.
واعلم: أن كل أهل ابتلاء ليس بمحل للرحمة عند نظر الحقيقة؛ لأن الله تعالى ابتلاه بسبب جفائه إياه فقد اكتسبه بعلمه فكيف يترحم له، ولذا كان أهل الحقيقة كالسيف الصارم مع كونهم رحم خلق الله تعالى ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} (النور: 2) .
والله تعالى غيور وعبده في غيرته، فالحلم والغضب بقدر ما أذن فيه الشرع من أخلاق الأنبياء، وهو لا يقدح في فراغ القلب عن كل وصف؛ لأن رعاية الأحكام الظاهرة لا تنافي التوغل في الحقيقة، فعلى العاقل أن يدور بالأمر الإلهي ويرفع عن لسانه وقلبه لِمَ لا وكيف فإن الأمر بيد الله تعالى لا بيده.
قال إبراهيم بن أدهم لرجل: أتحب أن تكون ولياً؟ قال: نعم قال لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة، وفرغ نفسك لله وأقبل بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك، فعلم من هذا أن من كان إقباله إلى نفسه وإلى هواها لا يجد الحق وإقباله وموالاته في كل حالاته ومقاماته كما لا يخفى.