فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 3176

فالتوبة نعمة من الله أنعم بها على هذه الأمة دون غيرها ولها أربع مراتب:

فالأولى مختصة باسم التوبة: وهي أول منزل من منازل السالكين وهي للنفس الأمارة وهذه مرتبة عوام المؤمنين وهي ترك المنهيات والقيام بالمأمورات وقضاء الفوائت ورد الحقوق والاستحلال من المظالم والندم على ما جرى والعزم على أن لا يعود.

والمرتبة الثانية الإنابة: وهي للنفس اللوامة وهذه مرتبة خواص المؤمنين من الأولياء والإنابة إلى الله بترك الدنيا والزهد في ملاذها وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس بمخالفة هواها والمداومة على جهادها فالنفس إذا تحلت بالإنابة دخلت في مقام القلب واتصفت بصفته لأن الإنابة من صفات القلب قال تعالى: {وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} (ق: 33) .

والمرتبة الثالثة الأوبة: وهي للنفس الملهمة وهذه مرتبة خواص الأولياء والأوبة إلى الله من آثار الشوق إلى لقائه فالنفس إذا تحلت بالأوبة دخلت في مقام الروح ومن أمارات الأواب المشتاق أن يستبدل المخالطة بالعزلة ومنادمة الأخدان بالخلوة ويستوحش عن الخلق ويستأنس بالحق ويجاهد نفسه في الله حق جهاده ساعياً في قطع تعلقاتها عن الكونين.

والمرتبة الرابعة: وهي للنفس المطمئنة وهي مرتبة الأنبياء وأخص الأولياء قال تعالى: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} (الفجر: 28) وهي صورة جذبة العناية الربوبية نفوس الأنبياء والأولياء تجذبها من أنانيتها إلى هوية ربوبيته راضية أي: طائعة تلك النفوس شوقاً إلى لقاء ربها مرضية أي: على طريقة مرضية في السير لربها باذلة نفسها في مشاهدة اللقاء طامعة لرفع الاثنينية ودوام الالتقاء.

قيل لما قدم الحلاج [1] لتقطع يده قطعت اليد اليمنى أولاً فضحك ثم قطعت اليد اليسرى فضحك ضحكاً بليغاً فخاف أن يصفر وجهه من نزف الدم فكب وجهه على الدم السائل ولطخ وجهه بدمه وأنشأ يقول:

الله يعلم أن الروح قد تلفت ... شوقاً إليك ولكني أمنيها

ونظرة منك يا سؤلي ويا أملي ... أشهى إليّ من الدنيا وما فيها

يا قوم إني غريب في دياركمو ... سلمت روحي إليكم فاحكموا فيها

ما أسلم النفس للأسقام تتلفها ... إلا لعلمي بأن الوصل يحييها

نفسُ المحب على الآلام صابرة ... لعل مسقمها يوماً يداويها

ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: يا مولاي إني غريب في عبادك وذكرك أغرب مني والغريب يألف الغريب ثم ناده رجل وقال: يا شيخ ما العشق؟ قال: ظاهره ما ترى وباطنه دق عن الورى.

[1] قال الفقيه أبو علي بن البناء: «كان الحلاج قد ادعى أنه إله، وأنه يقول بحلول اللاهوت في الناسوت، فأحضره الوزير علي بن عيسى فلم يجده - إذ سأله - يحسن القرآن والفقه ولا الحديث، فقال: تعلمك الفرض والطهور أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها، كيف تكتب - ويلك - إلى الناس: تبارك ذو النور الشعشعاني؟! ما أحوجك إلى أدب! وأمر به فصلب في الجانب الشرقي، ثم في الغربي، ووجد في كتبه: إني مغرق قوم نوح، ومهلك عاد وثمود، وكان يقول للواحد من أصحابه: أنت نوح، ولآخر: أنت موسى، ولآخر: أنت محمد» .

وقال أبو بكر بن ممشاذ: «حضر عندنا بالدينور رجل معه مخلاة، ففتشوها، فوجدوا فيها كتابًا للحلاج عنوانه: من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان. فوجه إلى بغداد فأحضر وعرض عليه، فقال: هذا خطي وأنا كتبته. فقالوا: كنت تدعي النبوة، صرت تدعي الربوبية؟! قال: لا، ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله وأنا؟ فاليد فيه آلة» .

وقال محمد بن يحيى الرازي: «سمعت عمرو بن عُثْمَان [وهو من مشايخ الصوفية] يلعنه ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي، فقلت: أيش الذي وجد الشيخ عليه؟ قَالَ: قرأت آية من كتاب اللَّه، فَقَالَ: يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به» .

وقال أبو يعقوب الأقطع الصوفي: «زوجت ابنتي من الْحُسَيْن بن مَنْصُور لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده، فبان لِي بعد مدة يسيرة أَنَّهُ ساحر محتال، خبيث كافر» .

وقال أبو بكر الصولي: «قد رأيت الحلاج وجالسته، فرأيت جاهلًا يتعاقل، وغبيًّا يتبالغ، وفاجرًا يتزهَّد، وكان ظاهره أنه ناسكٌ صوفٌّي، فإذا علم أن أهل بلدة يرون الاعتزال صار معتزليًّا، أو يرون الإمام صار إماميًّا، وأراهم أن عنده علما من إمامتهم، أو رأى أهل السنة صار سنيًّا، وكان خفيف الحركة مشعبذًا، قد عالج الطب، وجرب الكيمياء، وَكَانَ مع جهله خبيثًا، وكان يتنقل في البلدان» .

وقال عيسى بن بزول القزويني: «سألت أبا عَبْد اللَّهِ بْن حفيف، عَنْ معنى هذه الأبيات:

سبحان من أظهر ناسوته ... سر سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا فِي خلقه ظاهرا ... فِي صورة الآكل والشارب

حتى لقد عاينه خلقه ... كلحظة الحاجب بالحاجب

فَقَالَ الشيخ: عَلَى قائلها لعنه اللَّه، فقلت: هذا للحسين بن مَنْصُور، فَقَالَ: إن كَانَ هذا اعتقاده فهو كافر».

ومن كلامه كذلك قوله: «لولا أن الله تعالى قال: {لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} لكنت أبصق في النار حتى تصير ريحانًا على أهلها» .

وقوله: «كفرت بدين الله والكفر واجب ... علي وعند المسلمين قبيح»

وقوله: «تناظرت مع إبليس وفرعون في الفتوة، فقال إبليس: إن سجدت سقط عني اسم الفتوة، وقال فرعون: إن آمنت برسوله سقطت من منزلة الفتوة، وقلت أنا أيضاً إن رجعت عن دعواي وقولي سقطت من بساط الفتوة، وقال إبليس: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} حين لم ير غيراً، وقال فرعون {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} حين لم يعرف في قومه من يميز بين الحق والباطل، وقلت أنا: إن لم تعرفوه فاعرفوا آثاره، وأنا ذلك الأثر، وأنا الحق؛ لأني ما زلت أبداً بالحق حقاً، فصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون، وإبليس هدد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أغرق في اليم وما رجع عن دعواه، ولم يقر بالواسطة ألبتة ... وإن قتلت أو صلبت أو قطعت يداي ورجلاي ما رجعت عن دعواي» .

وكلام الحلاج في الحلول والزندقة كثير سواء في كتبه أو فيما نقل عنه. اهـ (براءة الأمة من عقيدة الحلاج، موقع طريق الإسلام) {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت