واعلم أن في كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرراً يجتنى من نار السعير فتحصل في قلب العبد تلك النار في الحال، وفي التي تصدر من العبد على وفق الشرع شرراً يجتنى من نار المحبة لتظهر في القلب فتحرق كل محبوب غير الله في قلب كما أن نار السعير تحرق في القلب الحسنات والأخلاق الحميدة فيأكلون ناراً في الحال
وإنما قال ما يأكلون في بطونهم إلا النار لأن فسادهم كان في باطل فكان عذابهم في البطون
وإنما لا يكلمهم الله يوم القيامة لأنهم كتموا كلام الله في الدنيا ولا تكلموه بالصدق فكان جزاء سيئة سيئة مثلها
وإنما لا يزكيهم لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان والأعمال الصالحة بصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع فأولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا حب الدنيا بهدى إظهار الحق وآثروا الخلق على الحق والمداهنة على أفضل الجهاد قال عليه السلام: «إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»
وإنما كانت أفضل لأن الجهاد بالحجة والبرهان جهاد أكبر بخلاف الجهاد بالسيف والسنان فإنه جهاد أصغر، ومدار كتمان الحق حب الدنيا وحبها رأس كل خطيئة.
قال الحسن: إن الزبانية إلى فسقة حملة القرآن أسرع منهم إلى عبدة الأوثان فيقولون: ربنا ما بالنا يتقدمون إلينا فيقول الله ليس من يعلم كمن لا يعلم فمن اشترى الدنيا بالدين فقد وقع في خسران مبين، وكان دائماً في منازعة الشيطان.
-كما حكي - أن رجلاً قال للشيخ أبي مدين ما يريد منا الشيطان؟ شكاية منه فقال الشيخ: إنه جاء قبلكم وشكا منك وقال: اعلم أنه سيشكوني ولكن الله ملكني الدنيا فمن نازعني في ملكي لا أتسلى بدون إيمانه فمن كف يده عن الدنيا وزينتها فقد استراح من تعبها ومحنتها.