البصر حاسة النظر، وقد تطلق على العين من حيث إنها محله وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إليه والإحاطة به أي لا تصل إليه الأبصار ولا تحيط به.
{وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} أي: يحيط بها علمه {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فيدرك ما لا تدركه الأبصار، ولهذا خص الأبصار بإدراكه تعالى إياها مع أنه يدرك كل شيء لأن الأبصار لا تدرك نفسها، ولا يجوز في غيره أن يدرك البصر وهو لا يدركه، ففيه دليل على أن الخلق لا يدركون بالأبصار كنه حقيقة البصر، وهو الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه.
وقال بعض المفسرين: إن الإدراك إذا قرن بالبصر كان المراد منه الرؤية فإنه يقال أدركت ببصري ورأيت ببصري بمعنى واحد فمعنى قوله: {لَّا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} أي: لا تراه في الدنيا فهو مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة لقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة: 22)
وحديث الشيخين «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا تشبيه المرئي بالمرئي أي في الجهة
وإنما يرونه في الآخرة لأنها قلب الدنيا فالبصيرة هناك كالبصر في الدنيا فيكون البصر الظاهر في الدنيا باطناً في الآخرة والبصيرة الباطنة ظاهرة فيستعد الكل للرؤية بحسب حاله.
وأما في الدنيا فالرؤية غاية الكرامة فيها وغاية الكرامة فيها لأكرم الخلق، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم صاحب المقام المحمود الذي شاهد ربه ليلة المعراج بعيني رأسه.
قال ابن عطاء: إتمام النعيم بالنظر إلى وجه الله الكريم على الوجه اللائق بجلاله في الدار الآخرة حسبما جاء الوعد الصدق بذلك كما في الدنيا إذ غالب النصوص يقتضي منع ذلك بل يكاد يقع الإجماع على نفي وقوع ذلك ومنعه شرعاً وإن جاز عقلاً انتهى.