وإنما كانوا يقولونه بطريق الاستعجال استهزاء ومرادهم إنكار المجيء والحبس رأساً لا الاعتراف به والاستفسار عن حابسه.
{أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ}
و {يَوْمَ} منصوب بخبر ليس، وهو دليل على جواز تقديم خبر ليس، على ليس، فإنه إذا جاز تقديم معمول خبرها عليها كان ذلك دليلاً على جواز تقديم خبرها؛ إذ المعمول تابع للعامل فلا يقع إلا حيث يقع العامل.
{وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}
عبر عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه.
[فصل]
واعلم أن السبب الموجب للعذاب كان الاستهزاء، والباعث على الاستهزاء كان الإنكار والتكذيب، والناس صنفان في طريق الآخرة صنف مبتاع نفسه من عذاب الله تعالى بالإيمان والأعمال الصالحة، وصنف مهلكها باتباع الهوى وترك الأعمال الصالحة والكفار أمنوا من عذاب الله تعالى وسخطه فوقعوا فيما وقعوا من العذاب العاجل والآجل وفي الحديث القدسي: وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين إذا خافني في الدنيا آمنته يوم القيامة وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة ولشدة الأمر.
قال الفضيل بن عياض: إني لا أغبط ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا عبداً صالحاً أليس هؤلاء يعاينون القيامة وأهوالها، وإنما أغبط من لم يخلق لأنه لا يرى أحوال القيام وشدائدها.
وعن السرى السقطي: اشتهي أن أموت ببلدة غير بغداد مخافة أن لا يقبلني قبري فأفتضح عندهم.
فعلى العاقل أن يتدارك أمره قبل حلول الأجل، ويخاف من ربه ويستغفر من ذنبه ويحترز عن الإصرار، والله تعالى يريد من كل جزء من أجزاء الإنسان ما خلقه له فمن القلب المعرفة والتوحيد، ومن اللسان الشهادة والتلاوة وترك الأذية بالاستهزاء وغيره فمن ترك الوفاء بما تعهد له من استعمال كل عضو فيما خلق هو لأجله فقد تعرض لسخط الله تعالى وعذابه.