قال الإمام الغزالي قدس سره في «شرح الأسماء الحسنى»
العزيز: هو الخطير الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه فما لم تجتمع هذه المعاني الثلاثة لم يطلق العزيز فكم من شيء يقل وجوده ولكن إذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزاً وكم من شيء يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره ولكن إذا لم يصعب الوصول إليه لم يسم عزيزاً كالشمس مثلاً فإنها لا نظير لها والأرض كذلك والنفع عظيم في كل واحدة منهما والحاجة شديدة إليهما ولكن لا توصفان بالعزة لأنه لا يصعب الوصول إلى مشاهدتهما فلا بد من اجتماع المعاني الثلاثة. ثم في كل من المعاني الثلاثة كمال ونقصان فالكمال في قلة الوجود أن يرجع إلى واحد إذ لا أقل من الواحد ويكون بحيث يستحيل وجود مثله وليس هذا إلا الله تعالى، فإن الشمس وإن كانت واحدة في الوجود فليست واحدة في الإمكان فيمكن وجود مثلها والكمال في النفاسة وشدة الحاجة أن يحتاج إليه كل شيء في كل شيء حتى في وجوده وبقائه وصفاته وليس ذلك الكمال إلاتعالى فهو العزيز المطلق الحق الذي لا يوازيه فيه غيره والعزيز من العباد من يحتاج إليه عباد الله في أهم أمورهم وهي الحياة الأخروية والسعادة الأبدية وذلك مما يقل لا محالة وجوده ويصعب إدراكه وهذه رتبة الأنبياء عليهم السلام ويشاركهم في العزّ من يتفرد بالقرب من درجتهم في عصره كالخلفاء وورثتهم من العلماء وعزة كل واحد بقدر علو رتبته عن سواه في الميل والمشاركة وبقدر عنائه في إرشاد الخلق والحق ذو الحكمة والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأجل العلوم وأجل الأشياء هو الله تعالى ولا يعرف كنه معرفته غيره فهو الحكيم المطلق لأنه يعلم أجلّ الأشياء بأجلّ العلوم إذ أجلّ العلوم هو العلم الأزلي الدائم الذي لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء وشبهة ولا يتصف بذلك إلا علم الله تعالى وقد يقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها حكيماً وكمال ذلك أيضاً ليس إلا تعالى فهو الحكيم المطلق ومن عرف جميع الأشياء ولم يعرف الله تعالى لم يستحق أن يسمى حكيماً لأنه لم يعرف أجلّ الأشياء وأفضلها والحكمة أجل العلوم وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم ولا أجلّ من الله ومن عرف الله فهو حكيم وإن كان ضعيف المنّة في سائر العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها إلا أن نسبة حكمة العبد إلى حكمة الله تعالى كنسبة معرفته إلى معرفته بذاته وشتان بين المعرفتين فشتان بين الحكمتين ولكنه مع بعده عنه فهو أنفس المعارف وأكثرها خيراً ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يتذكر إلا أولو الألباب نعم من عرف الله كان كلامه مخالفاً لكلام غيره فإنه قلما يتعرض للجزئيات بل يكون كلامه جملياً ولا يتعرض لمصالح العاجلة بل يتعرض لما ينفع في العاقبة ولما كانت الكلمات الكلية أظهر عند الناس من أحوال الحكيم من معرفته بالله ربما أطلق الناس اسم الحكمة على مثل تلك الكلمات الكلية ويقال للناطق بها حكيم
وذلك مثل قول سيد الأنبياء عليه السلام «رأس الحكمة مخافة الله»
«الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله» «ما قل وكفى خير مما كثر وألهى»
«السعيد من وعظ بغيره»
«القناعة ماللا ينفد»
«الصبر نصف الإيمان»
«اليقين الإيمان كله»
فهذه الكلمات وأمثالها تسمى حكمة وصاحبها يسمى حكيماً انتهى كلام الغزالي.
ثم إن في الآية إشارة إلى أن في إرسال الرسل حكمة أي: مصلحة وعاقبة حميدة لأن عمارة الظاهر وإنارة الباطن ونظام العالم بهم لا بغيرهم.
ولورثتهم من الأولياء الكاملين حظ أوفى في باب التزكية فلا بد للعبد من دليل ومرشد يهتدي به إلى مقصوده ومن لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان.
والمرشد الكامل يزكي نفس السالك بإذن الله ويطهرها من دنس الالتفات إلى ما سوى الله ويتلو عليه الآيات الأنفسية والآفاقية ليكون من الموقنين ويغتنم النعيم الروحاني ويدخل في زمرة الصديقين فقوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} يشير إلى السلوك والتسليك فاحفظ هذا وليكن على ذكر منك اللهم احفظنا من الموانع في طريق الوصول إليك فإن كل رجاء في حيز القبول لديك.